الخوارزميات تكشف كمائن الفردانية
مقال في جدل الذات والثقافة

حيدر الأديب
هنا عرضٌ جدليٌّ لا يتوخّى الحسمَ واليقينَ في نتائجه بقدر ما يتوخّى الإثارةَ والتفكيرَ والحراكَ ضمن ظواهر ملموسة نمارسها واقعًا، فيتولّد منها قلقٌ معرفي.
ما الذي يحدث الآن؟
واقعًا، العبقريةُ لم تنقرض، لكنها فقدت مركزها الرمزي.
في الأزمنة السابقة كانت العبقرية تُرى بوصفها: فردًا استثنائيًا / صوتًا أعلى من الجماعة / عقلًا يسبق عصره.
هذا التصوّر نفسه وُلد مع الحداثة: مع كانط في مركزية الذات العارفة، ومع هيغل في «روح العصر» التي تتجسّد في فرد، ومع نيتشه في «الإنسان المتفوّق».
ماذا تغيّر إذن؟
ما تغيّر هو بنيةُ الإنتاج المعرفي. فالعقلُ هو العقل، والذكاءُ هو الذكاء. نحن اليوم في زمن التراكم لا القفز، زمن الشبكات لا القمم، زمن النص المفتوح لا العمل المغلق. الزمن لا يحتاج إلى العبقري، رغم ضرورته، لأن المنظومة لا تسمح له بأن يكون مركزًا؛ ذلك أن الكتابةَ والقراءةَ الآن جماعيتان. وما يحدث اليوم أقرب إلى ما وصفه فوكو حين فكّك «وظيفة المؤلف»، وبارت حين أعلن موته بوصفه سلطة، وماكلوهان حين رأى الوسيط يصنع الوعي.
النصّ الآن تخلّى عن نسبه إلى عبقرية الفردانية؛ لأنه يُنتَج داخل خوارزميات ومنصّات وإعادة تدوير وتعليق وشرح وردّ فعل. والقراءة نفسها صارت نشاطًا تشاركيًا، لأن العزلة فقدت خطابها.
لكن… هل هذا نصر؟ هنا يبرز السؤال الأخلاقي والفلسفي. قد تبدو العبقرية خطرًا، لكنها كانت قلقًا مُنتِجًا.
الجماعةُ تُنتج كثيرًا، لكنها نادرًا ما تُزعزع. تكتب بسرعة، وتنسى بسرعة، كما لو أنّ الزمن قال: أفكّر كثيرًا، لكن لا أريد أن أتألّم. وهذا ما كان العبقري يفعله: كان يُؤلم عصره.
العبقريات لم تنتهِ؛ تتوافر كماركاتٍ إعلانية رغم أنفها، ولم تعد ضروريةً وظيفيًا، والاستثناءُ يُهمَّش لأنه يُربك الإيقاع.
الجماعة تكتب، تقرأ، تفسّر. ربما نحن في زمن الذكاء بلا مصير، وزمن المعرفة بلا مجازفة.
ينعكس هذا على الشعر في تحوّلاته من صوت الفرد المستثنى إلى فضاء للتفاعل، بتمظهرات المنصّات الرقمية ومجموعات القراءة والورش الجماعية، وبتمظهر القارئ شريكًا في البناء الشعري؛ يفسّر ويعيد الكتابة. العبقرية الشعرية الذاتية صارت أفقًا داخل التجربة الجماعية.
كما لو أنّ كل قصيدة مرآة تتكوّن من آلاف المرايا الصغيرة؛ كل قارئ يضيف انعكاسه.
النقدُ بذاته تحوّل من الحكم إلى المشاركة؛ فلم يعد حكمًا نهائيًا من عبقري على نصوص الآخرين. نرى سارتر، حين تحدّث عن الفن، ركّز على حرية المتلقّي في خلق المعنى. ونرى السلطة قد تمظهرت في توزيع الخطاب متجاوزةً المؤلف.
أكثر من ذلك، صار النقدُ إجراءً جماعيًا: قراءات متعددة، تعليقات، ربط بالسياقات التاريخية والاجتماعية. وحتى النبرة الشخصية والنقد الذاتي صارا جزءًا من النص.
العبقري في الشعر والنقد صار ظاهرةً نادرة، لأن الزمن الجماعي يقلّل من استثنائيته.
فشعراء أمثال محمود درويش، وغيره من دوالّ المشهد العربي، أو نيتشه في النصوص الأدبية/الفلسفية، كانوا عباقرة، لكنهم احتاجوا إلى وعاء جماعي: الوطن، الثقافة، القرّاء.
الآن، تتكوّن النصوص في فضاء شبكي، حيث كل شاعر وناقد جزء من نسيج معرفي أكبر. الشعر صار حوارًا مستمرًا بين النص والقارئ، والنقد صار ميدانًا للتجريب الجماعي لا للحكم الفردي.
تهتمّ الخوارزميات بالأنماط والتكرار والانتشار. وفي زمن النصوص الجماعية والمنصّات الرقمية، لم تعد الشهرةُ والتأثيرُ والتفاعلُ مرتبطةً بالعبقري أو بالرؤية العميقة؛ بل يكمن تجاوبها بما تتجاوب معه الشبكة بسرعة. وهي نوع من السنن الاجتماعية الرقمية، صار لها وزنٌ كأنها قوانين جديدة للتحكيم على الأفكار.
الفرد المتميّز، أو العبقري، لم يعد له سلطة مباشرة على التأثير؛ فأفكاره العميقة قد تُدفن أو لا تُرى. وما ينجح ويُنتشر هو ما يتوافق مع خوارزمية الانتشار، مثل سرعة المشاركة، والتعليقات، أو التفاعل اللحظي.
الخوارزمية بذلك تصبح قوةً اجتماعيةً مستبدّة لكنها غير مرئية، تُحرّك الجماعة بدل أن يُحرّكها الفرد.
تَرِدُ عدّة أسئلةٍ مقابلةٍ محتملة:
إذا كان العبقري لا يستطيع فرض تأثيره، فلماذا نواصل دراسة أسماء مثل دوستويفسكي أو نجيب محفوظ…؟
الردّ: لأن دراسة العباقرة تعطي فهمًا للتجربة القصوى للفردية، لكنها ليست قاعدةً للتأثير الجماعي اليوم؛ فالأثر التاريخي يختلف عن الدينامية الحالية للمعرفة الجماعية. ولا بدّ من آلية خطابٍ تنسجم مع السياق ليحدث ذلك الأثر.
ويرِدُ على هذا الجواب إشكالٌ آخر:
أليس الاستثناء ضروريًا لإحداث أي تقدّم فكري أو فني؟
الردّ: يظلّ الاستثناء جذّابًا تاريخيًا، لكنه محدَّد بالظروف الاجتماعية والثقافية. في زمن القراءة والكتابة الجماعية، يحدث التقدّم أكثر عبر التفاعل الجماعي والتراكم المعرفي، لا عبر الاعتماد على فرد استثنائي وحيد.
ومن الأسئلة المحتملة:
ألا تجعل الخوارزميات فردانيةَ عبقرية الكاتب أكثر ظهورًا وانتشارًا؟
الردّ: لا تذهب الخوارزميات إلى تقييم العمق الفكري أو الأصالة؛ إنها تنتصر للأنماط الأكثر قابليةً للتفاعل أو المشاركة. أيّ عبقرية حقيقية قد تمرّ مرور الكرام إن لم تتوافق مع آليات الانتشار الرقمي.
ويرِدُ على هذا الجواب إشكالٌ آخر: هل يقلّل ذلك من قيمة النصوص العظيمة ويجعلها مجرّد بيانات تُحسب حسب الإعجابات والتفاعل؟
الردّ يُظهر أن الأثر الثقافي لم يعد محكومًا باسم استثنائي. القيمة الحقيقية للنصوص الكبرى لا تزال في عمقها، لكن تأثيرها لم يعد مرهونًا بالشهرة الفردية.
وقد يُطرح سؤالٌ آخر: إذا كانت الجماعة هي الحاكمة على النصوص، ألم نفقد الفعل الفردي المبدع والمفاجئ؟
الجواب قطعًا لا؛ لأن الفعل الفردي موجود، لكنه جزء من شبكة ديناميكية. المفاجآت تأتي من تفاعل النص مع الجماعة، لا من فردٍ وحيد يحكم كل شيء.
ويرِدُ عليه سؤال: أليس هذا تحييدًا للعبقرية واستسلامًا للتقنيات والرقمنة؟
الردّ: ليست استسلامًا، بل فهمٌ جديد للآليات الثقافية. العبقرية لم تمت، لكن الزمن تغيّر، وأثر النص صار متوزّعًا بين المؤلف والقارئ والسياق الاجتماعي.
