
خالد الحديدي
في خطوة غير مسبوقة تعكس تحوّلاً كبيراً في فلسفة الدعم الحكومي داخل الولايات المتحدة، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن إطلاق برنامج ادخاري جديد يحمل اسم “حساب ترامب”، يبدأ تنفيذه فعلياً في الرابع من يوليو 2026، تزامناً مع يوم الاستقلال. ويأتي البرنامج تطبيقاً لأحد البنود المركزية في قانون العائلات العاملة الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب في العام الماضي، باعتباره أوسع تدخل حكومي لدعم الادخار طويل المدى للأجيال الجديدة في تاريخ البلاد.
يقوم البرنامج على تخصيص مساهمة حكومية قدرها 1000 دولار لكل طفل يُولد على الأراضي الأمريكية خلال الفترة من 1 يناير 2025 إلى 31 ديسمبر 2028، بصرف النظر عن الوضع المالي للأسرة. ويُفتح لكل مولود حساب ادخار استثماري باسمه، لتُدار أمواله في صناديق مؤشرات منخفضة التكلفة بما يضمن نمواً مستقراً للرصيد بعيداً عن التقلبات الخطرة والمضاربات قصيرة الأجل.
ولا تقتصر الفكرة على المساهمة الحكومية؛ إذ يتيح البرنامج للأسرة والأقارب والجهات المختلفة إضافة مساهمات سنوية تصل إلى 5000 دولار بعد خصم الضرائب، مع إعفاء كامل للأرباح من الضرائب طوال مدة بقاء الأموال داخل الحساب. بذلك يصبح الحساب منصة ادخار تراكمية تستفيد من قوة الفائدة المركّبة، بما يحول مبلغاً أولياً متواضعاً إلى رصيد يمكن أن يتحول لاحقاً إلى فرصة حقيقية في حياة كل شاب.
وتمنح القواعد الجديدة مرونة واسعة لحاملي الحسابات عند بلوغ سن 18 عاماً، إذ يُسمح باستخدام حتى 50% من الرصيد لتمويل التعليم العالي، أو شراء منزل أول، أو بدء مشروع صغير—مع إعفاء ضريبي كامل. وعند سن الثلاثين يصبح الحساب ملكية كاملة لصاحبه، مع حرية السحب الكامل أو تحويله إلى حساب تقاعد فردي.
أما الأطفال المولودون قبل عام 2025، والذين تقل أعمارهم عن عشر سنوات، فقد خُصص لهم برنامج دعم مخفَّض يسمح بتلقي مساهمة حكومية أقل، بينما تظل إمكانية فتح حسابات مماثلة للأطفال حتى سن 18 متاحة دون دعم مباشر.
وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن استثمار مبلغ 1000 دولار فقط بعائد سنوي متوسط قدره 7% قد ينمو إلى ما يقارب 50 ألف دولار عند بلوغ الطفل سن 18، وأكثر من 150 ألف دولار عند سن الثلاثين، وهو ما يعكس أثر التراكم طويل المدى، ويبرز طبيعة البرنامج بوصفه استثماراً في رأس المال البشري وليس مجرد منحة اجتماعية.
ومن المنتظر أن تنطلق المرحلة التنفيذية في الرابع من يوليو 2026، على أن تعلن الخزانة في يناير المقبل قائمة الوسطاء الماليين المعتمدين وآلية متابعة الحسابات عبر منصة مخصصة لهيئة الضرائب الفيدرالية.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرة حدود الولايات المتحدة، إذ تقدم نموذجاً يُحتذى في دعم الطفولة وتعزيز فرص الشباب وتمكينهم مالياً. ولعلّ مصر والدول العربية تجد في هذه التجربة مثالاً قابلاً للتكييف مع واقعها، بما يتيح إطلاق برامج ادخار مبكر تمنح الأجيال الجديدة قاعدة انطلاق أكثر عدلاً، وتدعم ثقافة الادخار، وتُسهم في بناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وشمولاً.
