
دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
مع بدء الحرب الأمريكية الإيرانية نشطت العديد من الكتابات والأبحاث عن نهاية العالم، وطُرح ذلك السؤال عما إذا كان “التغير المناخي” هو السبب الذي يمكن أن يؤدي إلى انقراض البشرية وتدمير الحياة أم الحرب النووية.. قد أكد معظم علماء المناخ على أنه من شبه المؤكد ليس المناخ، ولكن إن لم يتم التحرك بسرعة لوقف ارتفاع درجة حرارة الكوكب ستكون هناك عواقب وخيمة على الكثير من البشر، وفي الوقت نفسه يحذروننا من اقتراب نهاية العالم.. في أحد التقارير لـ “الهيئة الحكومية الدولية” التي تضم مجموعة من مئات العلماء الذين يعملون مع الأمم المتحدة لتحليل أبحاث تغير المناخ من جميع أنحاء العالم، تؤكد على أن هناك العديد من المخاطر الجسيمة الناجمة عن ارتفاع درجة حرارة الكوكب لكن ليس من بينها انقراض البشر.. إذ يوجد هناك العديد من الدراسات المتعلقة ببحوث المناخ قد أظهرت بعض الاتجاهات المشجعة، حيث أوضحت التقارير الصادرة عن “الهيئة الحكومية الدولية” المعنية بتغير المناخ عن سيناريوهات مختلفة لكمية الغازات الدفيئة المغيرة للمناخ التي يطلقها البشر في الغلاف الجوي.. وعلى الرغم من تلك العواقب الوخيمة المتوقعة بالنسبة للحياة على كوكب الأرض الذي لا يوجد بديل عنه، والتحول نحو الطاقة النظيفة والتحكم في انبعاثات الغازات الدفيئة، إلا أنه أصبح من الواضح أننا نتجه نحو أسوأ السيناريوهات.. وعلى الرغم من ذلك يؤكد أحدث تقرير لـ “الهيئة الحكومية الدولية” المعنية بتغير المناخ على أن العديد من المخاطر المناخية قد أصبحت أكثر خطورة مما كان يُعتقد سابقاً استناداً إلى الأضرار الناجمة عن زيادة العواصف والموجات الحارة والجفاف التي يشهدها العالم بالفعل..
في مقال “داميان جايل” بعنوان “لماذا تعد الحرب النووية وليس أزمة المناخ أكبر تهديد للبشرية” صرح قائلاً: عادة ما يُنظر إلى انهيار المناخ على أنه أكبر التهديدات وأكثرها إلحاحاً على مستقبل الكوكب اليوم، ولكن ماذا لو كان هناك تهديد بشري آخر أكبر؟.. واستطرد “جايل” قائلاً: لقد نسي بقية العالم التهديد النووي حيث بدأ يركز الباحثون في النماذج الجديدة لعلوم المناخ، وهي النماذج المستخدمة للتنبؤ بالتهديد المتنامي لانهيار المناخ، حيث تنخفض درجة الحرارة بسرعة إلى ما دون الصفر وقد تستمر لسنوات.. ويؤكد “جايل” على أنه لن يكون هناك حصاد آخر للبشرية ولن ينمو الطعام مرة أخرى؛ لأنه بحلول الوقت الذي تعود فيه الشمس للظهور مرة أخرى وترتفع درجات الحرارة مرة أخرى في غضون عقد أو نحو ذلك.. وهنا يتساءل “جايل” عن مدى احتمالية هذا السيناريو؟ بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يكون متهوراً لدرجة الشروع في بدء حرب نووية؟ ولكن يمكنهم ذلك، فقد استخدمت الولايات المتحدة أسلحة نووية ضد المدنيين في عام 1945، ومنذ ذلك الحين كانت هناك لحظات وقف فيها العالم على بعد دقائق من حرب نووية، سواء عن طريق الخطأ أو سياسة حافة الهاوية.. ويؤكد “جايل” على أنه رغم ذلك تستمر الأسلحة النووية في الانتشار، إذ تمتلك الولايات المتحدة وروسيا أكبر الترسانات بحوالي 12 ألف سلاح، بينما تتسابق الصين للحاق بالركب بما يقدر بنحو 500 رأس نووي في 2024، كما أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية، وإيران على وشك تطوير أسلحتها النووية.. ويختتم “جايل” مقاله قائلاً: إذن ما الذي يمكن فعله؟ كبداية يمكننا التوقف عن تجاهل ذلك، ولا بد من إحياء حركة مناهضة للأسلحة النووية على نطاق واسع يضاهي حركة المناخ الحالية..
في مقال “نيلز روك” بعنوان “لماذا تعد الحرب واحدة من أكبر التهديدات المناخية في العالم” صرح قائلاً: بينما تستعر الحرب في كل من أوكرانيا وغزة والسودان والكونغو، ينصب اهتمام العالم بشكل ملحوظ على المعاناة البشرية والدمار، ولكن هناك حرب أخرى أكثر هدوءًا وأطول أمداً تُشن ضد الطبيعة والتنوع البيولوجي والمناخ العالمي.. ويؤكد “روك” على أن الحرب تعد من أكبر القوى تدميراً على وجه الأرض، ففي حين أن التأثيرات الإنسانية تتصدر عناوين الأخبار فإن التكاليف البيئية هائلة وعادة ما يتم تجاهلها إلى حد كبير.. ويركز “روك” على أن النزاعات المسلحة يصدر عنها مستويات غير مسبوقة من انبعاثات الاحتباس الحراري والتلوث بدءاً من الدبابات والطائرات والسفن الحربية التي تعمل بالوقود الأحفوري.. ويؤكد “روك” على دور المجمعات الصناعية الضخمة التي تنتج الذخائر والطائرات المسيرة والمركبات العسكرية، وأنه لا ينبغي الاستهانة بهذا الأمر فهو يعد عاملاً رئيسياً في الاحتباس الحراري وتدهور التنوع البيولوجي..
في مقال “مهدي ليمان” بعنوان “الحرب الأمريكية الإسرائيلية: كيف تدمر الحرب والصراع البيئة” صرح قائلاً: أنفق العالم مبلغاً قياسياً يبلغ قدره 2.7 تريليون دولار أمريكي في المجال العسكري في عام 2024، مع ارتفاع الإنفاق العالمي كل عام على مدى العقد الماضي.. ويؤكد “ليمان” قائلاً: في ظل الحرب والقصف أو العنف السياسي يمتد الضرر إلى ما هو أبعد من خطوط المواجهة، إلى المنازل والمستشفيات وشبكات الكهرباء وأنظمة المياه والأراضي الزراعية التي تنجذب إلى دائرة الدمار، مما يدل على أن الصراع ليس مأساة إنسانية فحسب بل أيضاً مأساة بيئية.. ويرى “ليمان” أن الحرب لا تقتصر على قتل البشر وتدمير المنازل فحسب، بل إنها تلحق الضرر أيضاً بالأنظمة التي تجعل الحياة ممكنة، كشبكات المياه وشبكات معالجة مياه الصرف الصحي والأراضي الزراعية والموانئ ومستودعات الوقود والبنية التحتية، وغالباً ما تلوث الهواء والتربة والمياه لفترة طويلة بعد انتهاء الصراع.. ويؤكد “ليمان” على أن التكلفة المناخية تتجاوز ساحة المعركة، وأن الجيوش مسؤولة عن حوالي 5.5 % من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، إذ تزيد الانبعاثات من خلال الحرائق واستخدام الوقود وعملية إعادة الإعمار.. ويؤكد “ليمان” على أن التكلفة البيئية للحروب فورية وتراكمية، فهي تضعف النظم البيئية وتحد من قدرة المجتمعات على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والفيضانات ونقص المحاصيل؛ ففي خلال حرب فيتنام رشت القوات الأمريكية ما يقرب من 60 مليون لتر من مبيدات الأعشاب مما أثر على حوالي 2.9 مليون هكتار من الأراضي الزراعية.. ويختتم “ليمان” مقاله بأن الدروس المستفادة من فيتنام والعراق إلى غزة وأوكرانيا هي أن الحرب تلوث ظروف الحياة، فهي تفسد الأرض والمياه والهواء والصحة بطرق يمكن أن تشكل حياة الناس لعدة أجيال، لاسيما عندما يتداخل القتال مع المواد الكيميائية والنفط ومخاطر الإشعاع وتدهور البنية التحتية.








