
بقلم جورجيت شرقاوي
حين تتحول الأديرة إلى ساحة اشتباه، دفاعا عن حق الرهبان في القانون والكرامة، ما يحدث ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل انتهاك لحقوق تاريخية ودينية وإنسانية لرهبان عاشوا في الصحراء لقرون، يزرعون الأرض بأيديهم، ينتجون ويخدمون مجتمعاتهم في صمت، ليس تنفيذ قانو فحسب، بل إهانة لكرامة الرهبنة التي تمثل رمز الصمود المسيحي في مصر منذ العصور الأولى، في دير الملاك غبريال بالفيوم، رأينا مشاهد قاسيه، أما في وادي النطرون، حول دير الأنبا بيشوي، فالأمر أشد خطورة، فشهدت منطقة الأديرة المطمورة الأثرية، محاولات تعدي، وسط مخاوف من محاولات طمس الهوية التاريخية أو نقل التبعية بعيدًا عن حماية الآثار. و يواجه الرهبان ضغوط وشائعات وتهديدات بفقدان مساحات، و أصبح ينظر إليها انها شبكة من الامتيازات المالية التي تتنافس مع الاقتصاد العسكري، و صراعات داخلية تصل للعنف الرهباني المقنّع، فلا يمكن أن يكون التوقيت صدفه، أشبه بخطه تقليص منهجي للوجود القبطي.
فإن الدولة القوية ليست هي التي تقتحم المساحات الدينية كلما تعقد ملف الأرض، ولا التي تنظر إلى الرهبان باعتبارهم خصمًا اقتصاديًا ينبغي كسره، بل تفرق بين إنفاذ القانون وبين تحويل الخلاف الإداري إلى معركة إذلال، وتفهم أن حماية النظام العام لا تكون بهدم الثقة ولا بكسر الرموز الروحية، و بإخضاع الجميع لقواعد واضحة وعادلة ومعلنة.
حين يثار ملف الأديرة في مصر، فإن النقاش العام ينزلق سريعًا من سؤال التقنين والملكية والولاية على الأرض إلى خطاب أكثر خطورة، و خطاب الشبهة الجماعية. فبدلًا من البحث الهادئ في أوضاع الأراضي أو الأنشطة الاقتصادية أو حدود المشروعات، يصبح الرهبان أنفسهم موضع اتهام ضمني، وكأن حياة الزهد والصلاة والعمل صارت في نظر بعض دوائر السلطة قرينة على التمرد أو الغموض أو المنافسة غير المشروعة.
حيث تمتلك الأديرة أكتر من 60 ألف فدان (رسميا وغير رسمي)، تحولت الي مطمع، لأنها تبيع للمؤسسه العسكريه نفسها مثل منتجات الألبان والخضار و المنتجات الحرفية، مما يعتقد انه يحرق مصالح الشركات العسكرية اللي تدير شبكه من الترقيات والعقود، و المستتر من اتفاقات سرية بين الكنيسة والجيش للتقاسم، لكن إزداد الضغط الحكومي في الفترة الأخيرة بسبب خسائر الخزانة اللي وصلت 1.5 تريليون جنيه من الاقتصاد الموازي كله، فينظر للأديرة البيع في معارض بأسعار أقل بكتير لأنها خارج الضرائب الكاملة والرسوم، وتعتمد على عمالة رخيصة و موارد مستقلة مصل صهاريج مياه و طاقة شمسية، فهل ذلك يعد عقاب بعد سنوات من العمل؟! ، و هل مشكله الأديرة انها تحسب منافسة غير متكافئة، بما انها تنتج بتكلفة أقل و أسعار أقل في السوق و تؤثر على منتجات المشاريع الزراعية الكبيرة ؟، هل أصبحنا أمام منافسه اقتصاد أسماء لؤوات بعينها تعيد صياغه هذا الملف لصالحها ؟ أم توجه الدوله كل فدان ممكن للمشاريع الكبرى بتخطيط استراتيجيً ،و هل ينظر للأديرة انها كيانات اقتصادية كبيرة خارج الرقابة الكاملة لهذة الدرجه علما بأن التأثير محدود نسبيًا لأن حجم إنتاج الأديرة رغم جودته أصغر بكتير من حجم المشاريع السيادية؟
فإن الرهبان ليسوا عدوًا للدولة، و ليست مشروعًا سياسيًا ولا تنظيمًا احتجاجيًا. هو تقليد ديني وروحي ضارب في عمق التاريخ المصري، والأديرة ليست مجرد مساحات أرض؛ إنها مؤسسات دينية واجتماعية وتراثية ارتبطت بتاريخ المسيحية المصرية وذاكرتها الطويلة. وحين يجري التعامل مع هذه المؤسسات بمنطق الاشتباه الأمني الدائم، فإن الضرر لا يقع على الرهبان وحدهم، بل على فكرة المواطنة نفسها، و كأن الرسالة تصبح واضحة، أي جماعة تملك مساحة مستقلة نسبيًا يمكن أن تتحول فجأة إلى هدف للضغط والتجريف والتشويه.لا أحد يجادل في حق الدولة في تنظيم الملكية العامة، ولا في حقها في مراجعة أوضاع الأراضي أو ضبط الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، لكن هذا الحق يفقد مشروعيته الأخلاقية والسياسية إذا جرى تطبيقه بانتقائية، أو إذا استُخدم لفتح ملفات بعينها حين تتعارض مع مراكز نفوذ أقوى مثل بعض الرتب العسكريه، بينما تُترك كيانات أخرى تعمل في الاقتصاد الموازي بمنأى عن المساءلة أو الشفافية.
فإن منطق التقنين ليس نفسه الإخضاع المطلوب في ملف الأديرة و لا استعراض القوة، بل مسار قانوني نزيه بحصر واضح، و حدود معلنة، و عقود قابلة للمراجعة القضائية، وآليات تسوية ولا تصادر حق الدفاع. وقد أظهرت وقائع سابقة مرتبطة بالتدخلات التنفيذية حولها وسط غياب الشفافية، يولد توترًا حادًا ويفتح الباب لصدامات كان يمكن تجنبها لو سادت لغة القانون بدل لغة الغلبة.
والأخطر أن تحويل الرهبان إلى “ملف أمني” يغلق أي فرصة لحل مستقر يتحول لعبث، فالرهبان ليسوا طرفًا مسلحًا، ولا كتلة سياسية تبحث عن السيطرة على الدولة. وإذا شعروا أن الأمر لم يعد متعلقًا بتقنين أوضاع، بل بانتزاع مساحات النفوذ أو تحجيم الوجود الديني نفسه، فإن رد الفعل الطبيعي لن يكون تمردًا منظمًا بقدر ما سيكون مقاومة رمزية ورفضًا أخلاقيًا واسعًا داخل المجتمع الكنسي، وهو ما يهدد بتوسيع الأزمة بدل احتوائها، و لا ينفصل عن الحق في الكرامة في قلب هذا الملف سؤال لا يجوز القفز عليه: هل يجوز أن تتحول منازعات الأرض إلى مبرر للمساس بكرامة الرهبان أو شيطنتهم إعلاميًا؟
فكيف الي رهبان عزل، لا يحملون سلاحًا ، يُعاملون كـ”مخالفين” يجب تقليص مساحاتهم تدريجيًا.
و محاصرة آلاف الأفدنة التي استصلحوها بتعبهم على مدى عقود تُسحب تحت عباءة قرارات وزارية وقانونية، بينما مشاريع سيادية أخرى تتوسع في نفس الصحراء.
فإن الاقتصاد الموازي الذي يُتهمون به؟ إنه جبن ومخللات وزيوت وفواكه ينتجونها بأيديهم ويبيعونها ليحافظوا على استقلاليتهم الرهبانية، ليس للثراء المباشر، هذا النهج يولد غضبًا حقيقيًا بين بعض الرهبان والأقباط، و هناك أصوات بدأت ترتفع في الدير وخارجه: “إلى متى نُهان ونُحاصر في أرضنا التاريخية؟” بعضهم يشعر أن الدولة، التي يفترض أن تحمي الأقليات، تطبق سياسة تقليص وجودي، و الغضب ليس “تمردًا” بعد، لكنه احتقان ربما يتحول إلى احتجاجات أوسع إذا استمر التعامل بالجرافات بدلاً من الحوار والتعويض العادل.
