
بقلم بهجت العبيدي
في فيينا، حيث تتجاور العواصم في المعنى قبل الجغرافيا، وتلتقي الحضارات على مائدة الكلمة، انعقد مساء التاسع والعشرين من أبريل لقاء لم يكن عابرا في سياق البروتوكول، بل بدا كأنه لحظة مكثفة من تاريخ يُعاد فيه تعريف العلاقة بين الفكر والإيمان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
بدعوة كريمة من السفير محمد نصر، احتضن مقر السفارة المصرية هذا الحدث الذي شرّفه بالحضور قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في زيارة حملت في طياتها أكثر من معنى، وأبعد من مجرد لقاء دبلوماسي؛ إذ بدت كأنها تأكيد جديد على أن مصر، بتاريخها الروحي والثقافي، لا تزال قادرة على تصدير نماذج للتلاقي لا للتنافر، وللبناء لا للهدم.

في ذلك الفضاء المشبع برمزية المكان، شاركت مؤسسة رسالة السلام العالمية بوفد يعكس امتدادها الأوروبي، حيث مثّلتُها – بدعوة كريمة من سعادة السفير محمد نصر سفير جمهورية مصر العربية لدى النمسا وممثلها الدائم لدى المنظمات الدولية – بصفتي مدير مكتبها في النمسا ودول شرق أوروبا، إلى جانب المهندس حسام بازينة الأمين العام للمؤسسة بالنمسا. ولم تكن المشاركة حضورا شكليا، بل كانت تعبيرا عن مشروع فكري يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأديان على قاعدة إنسانية جامعة.
وحين قدّمتُ لقداسة البابا باقة ورد، نيابة عن المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس المؤسسة، جاءت كلمته العفوية “الورد يجيب الورد” كأنها خلاصة فلسفة كاملة في سطر واحد: أن الجمال يستدعي الجمال، وأن النوايا الطيبة تجد صداها في القلوب دون عناء.
غير أن اللحظة التي ستبقى، في تقديري، هي تلك التي خرج فيها العنوان من صمته ليصنع أثره؛ حين قدّمتُ لقداسته كتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”. لم يكن العنوان مجرد تركيب لغوي، بل كان جسرا معرفيا يمدّ خيوطه بين ضفتين طالما ظن البعض أنهما متقابلتان. وما إن تردّد العنوان على مسمع البابا الكريم، حتى انطلقت من قداسته كلمة “الله”، لا بوصفها تعبيرا عابرا، بل بوصفها استجابة فطرية لعمق الفكرة وجرأتها.
في تلك اللحظة، بدا واضحا أن الفكر حين يتحرر من أسر القوالب الجامدة، يصبح قادرا على أن يفتح نوافذ لم تكن تُرى من قبل. وهذا تحديدا ما يمثله مشروع المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي؛ قراءة جديدة، لا تهدم الإيمان، بل تعيد إليه نقاءه الأول، وتبحث في النصوص عمّا يجمع لا ما يفرّق.
وقد عبّر قداسة البابا تواضروس الثاني عن تقديره لهذا المسار، مشيدا بانتشار المؤسسة في ستٍ وأربعين دولة، ومؤكدا اعتزازه بأن القاهرة تحتضن مقرها الرئيسي، في دلالة لا تخلو من معنى: أن الأفكار الكبرى، مهما امتدّت جغرافيا، تظل بحاجة إلى جذرٍ ثقافي وروحي تستند إليه.
وفي مشهد موازٍ لا يقل أهمية، جاءت إشادة مبعوث الأزهر الشريف الشيخ أحمد نصار لتؤكد أن رسالة السلام، حين تكون صادقة، لا تعرف الانقسام المؤسسي. فإعلانه توزيع مؤلفات الشرفاء في مساجد فيينا لم يكن مجرد مبادرة، بل كان إعلانا ضمنيا عن وحدة المقصد، مهما اختلفت المنابر.
هكذا، لم يكن اللقاء مناسبة عابرة، بل كان نصا مفتوحا على احتمالات المستقبل؛ نصا يُكتب سطره الأول بفكرة، وسطره الثاني بابتسامة، وسطره الثالث بإيمانٍ عميق بأن العالم، رغم كل ما فيه، لا يزال قادرا على أن يُنصت لصوت العقل حين يُصاغ بلغة القلب.
وفي زمنٍ يعلو فيه الضجيج، تبقى مثل هذه اللحظات بمثابة تذكير هادئ بأن السلام ليس شعارا يُرفع، بل فكرة تُفهم، ومسارا يُبنى، وإنسانا يختار – بكامل وعيه – أن يكون جسرا لا جدارا.
















