
دكتورة / مريم حنا
استشاري نظم زراعية
تخوض الدولة المصرية في السنوات الأخيرة معركة كبرى من أجل البناء والتنمية، وتأتي سلة غذاء المصريين والأمن الغذائي على رأس أولويات القيادة السياسية. ولكن، هناك فجوة عميقة وخلل واضح في إدارة المنظومة التنفيذية، وتحديداً في القطاع الزراعي، تعرقل تحويل هذه الرؤى الطموحة إلى واقع ملموس يحصده المواطن. فلا يمكن لأي دولة في العالم أن تحقق نهضة زراعية حقيقية دون الاعتماد الكامل على البحث العلمي؛ فالأبحاث هي التي توفر الحلول لمواجهة الشح المائي، وتغير المناخ، واستنباط سلالات جديدة ومقاومة للأمراض. ومصر تمتلك ثروة بشرية هائلة من خريجي الجامعات الحكومية الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه الأكاديمية في العلوم الزراعية. هؤلاء الشباب قضوا سنوات من أعمارهم داخل المعامل والحقول التجريبية لتقديم حلول مبتكرة لمشكلاتنا المزمنة، ولكن، بدلاً من استقطابهم وتعيينهم في المواقع التي تستحقهم، يُتركون على الرصيف دون مبرر، لتظل أبحاثهم حبيسة الأدراج ويظل القطاع الزراعي يعاني، وسيبقى قطاع الزراعة متراجعاً طالما استمرت سياسة إقصاء الكفاءات وتهميش العلم. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص الإمكانيات؛ فمصر لديها الأرض، والمياه، والعقول، بل الأزمة تكمن في المنظومة الإدارية ذاتها. نحن نعاني من وجود قيادات في مفاصل وزارة الزراعة، وتحديداً بعض وكلاء الوزارة، يمثلون نموذجاً للفشل الإداري وتحوم حولهم علامات استفهام كبيرة، فهؤلاء المسؤولون تم تعيينهم والاستمرار في مناصبهم لمجرد وجود علاقات شخصية أو لأن هناك من يسندهم داخل أروقة الوزارة، دون أن يقدموا إنجازاً واحداً ملموساً في مهامهم السابقة! إن إدارة القطاع الزراعي بعقلية الموظف الحكومي التقليدي الذي يخشى التغيير ويبحث فقط عن التوقيع في دفاتر الحضور والانصراف، هي هدم صريح للمستقبل، فنحن بحاجة إلى عقليات إدارية واقتصادية تمتلك الرؤية والقدرة على اتخاذ القرار، وليس مجرد موظفين ينفذون التعليمات الروتينية ويعالجون الأزمات بمسكنات مؤقتة بغير الناس الأكفاء، ولذلك فإن تغيير هؤلاء القيادات الفاشلة وتطهير المنظومة لم يعد رفاهية، بل هو واجب وطني لإنقاذ الأمن الغذائي للبلاد. إن النهوض بالزراعة المصرية أمر ممكن ومتاح فوراً، لكنه مشروط بتصحيح المسار الإداري، فلا يمكن أن تنجح المشروعات القومية الكبرى التي يطلقها رئيس الجمهورية إذا كانت الأيدي التي تنفذها في الوزارات والمحافظات أيدٍ مرتعشة أو غير مؤهلة علمياً، وعلاج المشكلات لن يتم إلا بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والدفع بالشباب المؤهل أكاديمياً وعملياً إلى الصفوف الأمامية. ومن هنا، نتوجه بنداء مخلص إلى السيد رئيس الجمهورية، وإلى السيد وزير الزراعة، وإلى كل صاحب قرار في هذا الوطن: أنقذوا مستقبل الزراعة في مصر بالاستماع إلى لغة العلم؛ إن تعيين حملة الماجستير والدكتوراه من خريجي الجامعات الحكومية ليس مجرد مطلب فئوي أو توفير فرص عمل، بل هو ضخ لدماء جديدة وعقول مفكرة قادرة على قيادة قاطرة التنمية الزراعية، فأبعدوا أصحاب المصالح والوساطات، وافتحوا الأبواب لأصحاب الكفاءات والأبحاث، فالإمكانيات موجودة، والإرادة السياسية متوفرة، وفقط نحتاج إلى إدارة عادلة وذكية تضع مصلحة الوطن فوق المجاملات وتؤمن بأن العلم هو المخرج الوحيد للأزمات.








