في تهافت القول إن أسلمة الفلسفة فعل ضد التفلسف

جيهان المستشار / باحثة عراقية في الفكر والفلسفة وحقوقية
تبدو عبارة (أسلمة الفلسفة فعل ضد التفلسف) شجاعة في ظاهرها، كأنها تنتصر للعقل على العقيدة، إلا أن تفكيكها يظهر سلطة أخرى ترتدي لباس الحرية تتصف بكونها لا تفحص طريقة اشتغال الفكرة، ولا تسأل عن قيمة البرهان، ولا تميز بين عقيدة تحكم النتيجة وقضية دينية تدخل مجال السؤال؛ نجد انها تشرع بمحاكمة النسب الثقافي للفلسفة. فما إن يحمل التفكير صفة إسلامية حتى يوضع تحت الشبهة، وكأن الفلسفة تحتاج أولا إلى شهادة خلو من الدين كي يعترف بها العقل.
تتأسس هذه العبارة على خلط حاسم بين النتيجة السابقة والنتيجة المحصنة. كل تفكير يبدأ من سابق ما: لغة، اعتقاد، تصور للوجود، خبرة تاريخية، حدس، مشكلة موروثة. لا يوجد عقل يدخل إلى العالم من نقطة صفر. أرسطو دخل الميتافيزيقا محملا بأسئلة الجوهر والحركة والعلة، وديكارت دخلها باحثا عن يقين يقاوم الشك، وكانط دخلها تحت ضغط النزاع بين العقلانيين والتجريبيين. القيمة الفلسفية لهذه المشاريع جاءت من العمل الذي أنجزته داخل السؤال، وبداهة يسقط كل فراغ مزعوم سبقها.
حين يقول المؤمن (الله موجود) فهو يقرر بذلك نتيجة داخل إيمانه. انتقال هذه النتيجة إلى الفلسفة يغير موقعها، لأن القضية التي كانت يقينا دينيا تصبح مطالبة بكشف معناها، وتحديد حدودها، وإظهار قدرتها على الصمود أمام النفي. الفلسفة لا تعود إلى القضية كي تسمعها مرة ثانية بعبارات أثقل؛ تعود إليها لأن التصديق بها لا يستنفدها. ما معنى الوجود حين ينسب إلى الله؟ كيف تقوم الصلة بين المطلق والعالم؟ ما رتبة الصفات؟ كيف تجتمع القدرة والحرية؟ ما قيمة اللغة حين تتحدث عن حقيقة تتجاوز شروطها؟ هذه الأسئلة لا تعدم النتيجة، وهي تكشف أن النتيجة أضيق من الحقيقة التي تشير إليها.
هنا أقترح التمييز بين نتيجتين تحملان العبارة نفسها. الأولى نتيجة مقررة تريد من الفلسفة أن تجمع لها الأدلة وتحرسها من الاعتراض. الثانية نتيجة معلومة من جهة الاعتقاد، مجهولة من جهة بنيتها الوجودية ومراتب تحققها. الأولى تغلق البحث لأنها تعرف الخاتمة وتستأجر الطريق. الثانية تفتح البحث لأنها تعترف أن الإيمان بالشيء لا يساوي معرفة كيفيته ومعناه وحدوده. الفاصل بينهما لا يقع في لفظ (الله موجود) وإنما في العمل الذي تؤديه العبارة داخل التفكير.
استخدام الفلسفة للبحث في نتيجة سابقة لا يعني تقريرها مرة أخرى. قد يكون كشفا لوجوهها التي غابت لحظة التصديق الأول. اومن صفات الحقيقة انها لا تظهر للوعي دفعة واحدة، والقضية التي تبدو مكتملة من جهة الخبر قد تكون في بدايتها من جهة المفهوم. القول بوجود الله يثبت جهة واحدة، ثم تبدأ أسئلة الضرورة والإمكان والخلق والزمان والشر والمعرفة الدينية. الفلسفة بهذا المفهوم لا تزاحم الإيمان في منطقته، ولا تؤدي دور خادمه لأنها تمارس ماهيتها التي تنتزع القضية من سكونها وتضعها داخل حركة المفهوم.
وهذا يغير معنى (النتيجة) نفسها. النتيجة في الدين قد تؤدي وظيفة الهداية والاطمئنان وتوجيه السلوك، بينما تدخل في الفلسفة بوصفها بنية تحتاج إلى تحليل. انتقالها بين المجالين لا يبقي وظيفتها ثابتة. إن احتفظت بسلطتها الأولى صارت الفلسفة شرحا تابعا، وإن قبلت شروط الحجاج أصبحت مادة قابلة لإعادة التكوين. القضية الواحدة تستطيع أن تكون يقينا في ضمير المؤمن، وسؤالا في عقل الفيلسوف، من دون أن يبتلع أحد المجالين الآخر.
السبق الاعتقادي يختلف عن السبق البرهاني. قد يؤمن الإنسان بقضية قبل أن يمتلك دليلا فلسفيا عليها، ولا يمنح هذا السبق حجته أي امتياز. وقد يبدأ المادي من يقين أن الطبيعة هي أفق الواقع كله، ثم يصمم تفسيراته كي تعود إليه. وقد يدخل العلماني إلى الدين بحكم سابق يعده وهما تاريخيا، فيقرأ كل ظاهرة دينية باعتبارها شاهدا على الحكم الذي حمله معه. الانغلاق لا يصير فلسفة حين يغير اسمه. العقيدة قد تكون دينية، وقد تكون مادية أو تاريخانية أو علموية. المعيار واحد: هل تستطيع النتيجة أن تخسر أمام الحجة، أم أنها استدعت الحجة كي تعلن انتصارها؟
الدعوة إلى التفكير خارج كل إطار اعتقادي تقوم على وهم العقل الخالص من التاريخ. غادامير أوضح في (الحقيقة والمنهج) أن الفهم يتحرك داخل أحكام سابقة، وأن الوعي بها يفتحها للحوار والمراجعة. الأفق السابق لا يفسد التفكير؛ الذي يفسده أن يعمل في الخفاء ويمنح نفسه صفة الحياد. المؤمن يحمل أفقا، والملحد يحمل أفقا، ومن يعلن القطيعة مع التراث يحمل تصورا سابقا عن التراث والعقل والتقدم. النزاهة تبدأ عندما يكشف المفكر موقعه، ثم يمنع هذا الموقع من التحول إلى دليل.
تاريخ الفلسفة الإسلامية يدحض الحكم الذي يربط إسلامية السؤال بموت التفلسف. ابن سينا عاش داخل أفق إسلامي، ومع ذلك جعل موضوع الميتافيزيقا (الموجود بما هو موجود) ووضع المبدأ الأول في رتبة المطلوب الذي يحتاج إلى البرهنة. أهمية هذا الترتيب أن وجود الله خرج داخل النسق من سلطة التسليم إلى مسؤولية الدليل. ومن هذا الاشتغال أعاد ابن سينا بناء مفاهيم الماهية والوجود، والممكن والواجب، والعلة والمعلول. القارئ يستطيع رفض برهانه، لكنه لا يستطيع إسقاط صفته الفلسفية بحجة أن صاحبه مسلم.
ملا صدرا عاد إلى القضايا الإلهية من داخل أفق إسلامي شيعي، فنتج عن عودته تحول في فهم الوجود: أصالته، وتشكيكه، والحركة الجوهرية، والعلاقة بين المعرفة ونمط وجود العارف. يمكن نقد جمعه بين البرهان والكشف والنص، ويمكن الاعتراض على بنائه كله، وهذا النقد يتحرك داخل المشروع ويمتحن مفاهيمه. وصفه بأنه ضد التفلسف بسبب مرجعيته الدينية يحول النقد إلى تفتيش في الهوية، ويعفي الناقد من مواجهة الجهاز النظري الذي بناه.
حتى مثال الإلكترون يوضح المسألة إذا ضبطنا حدوده. اكتشاف الإلكترون لم يغلق البحث فيه. عاد العلم إلى الموضوع الذي ثبت وجوده، وراجع فهمه لطبيعته وسلوكه وعلاقاته. المقارنة لا تجعل الله موضوعا مخبريا، فالمجالان مختلفان في أدواتهما وطرائق إثباتهما. فائدتها تتحدد في مبدأ واحد: إثبات الوجود لا يساوي استنفاد الموجود معرفيا. قد يستقر أن الشيء موجود، وتبقى حقيقته وكيفية وجوده ووجوه حضوره مفتوحة على بحث طويل.
أسلمة الفلسفة تصبح عدوا للتفلسف في حال تحول العقيدة إلى سلطة تحدد ما يجوز للعقل أن ينتهي إليه، وعندما يستخدم النص لإغلاق السؤال، ويستدعى البرهان بعد صدور الحكم. أما الفلسفة التي تبدأ من قضية دينية وتسمح للسؤال أن يعيد بناء معناها، وأن يكشف قصور أدلتها، وأن يغير مفاهيمها، فهي تمارس التفلسف في صورته الجادة. مصدر القضية لا يمنحها الحصانة، ولا يحرمها من حق الدخول إلى الفلسفة.
العبارة الأدق هي أن إخضاع الفلسفة للنتيجة فعل ضد التفلسف، سواء كانت النتيجة دينية أم مادية أم علمانية. تتجاوز الفلسفة المفكر عن إيمانه قبل أن يدخل؛ تسأله عما فعله بإيمانه داخل الحجة. فإذا جعل منه شرطا لصدق البرهان انتهى التفكير، وإذا وضعه تحت ضغط السؤال بدأ مشروعه الفلسفي.
الله قد يكون نهاية جواب ديني، وقد يكون بداية سؤال ميتافيزيقي لا ينتهي. الفارق تصنعه رتبة القضية داخل العقل. ومن يطرد السؤال الديني من الفلسفة بحجة حمايتها لا يحرر العقل لأنه يقيم محكمة تفتيش جديدة، ويستبدل رداء الكاهن بعباءة الحياد.







