
إيمان الشافعي
لم يعد ما يجري في واشنطن صراعاً بين حزبين، بل صراعاً على شكل السلطة نفسها: هل تبقى دولة تُدار بالمؤسسات، أم تتحول إلى إقطاعية تُدار بالولاء؟
البداية لم تكن عادية؛ سلسلة من “الأحداث الأمنية” أربكت المشهد، أعقبها انكسار عميق داخل هيكل الدولة، تجلّى في استقالة 12 جنرالاً من النخبة السيادية. لم تكن هذه واقعة إدارية، بل إشارة مبكرة على أن توازن الدولة نفسه بدأ يتصدّع—وأن ما كان يُدار في الغرف المغلقة خرج إلى العلن كحريق لا يمكن إطفاؤه.
1. هندسة الطاعة: حين تضحي واشنطن بالخبرة من أجل الولاء
ما حدث لاحقاً لم يكن إعادة ترتيب، بل إقصاء ممنهج لكل صوت متحفظ. إقالات طالت قيادات عسكرية رفضت الانخراط في مسارات تصعيدية، لترسخ قاعدة واضحة: “ابقَ موالياً.. أو” أخرج”.
بهذا، لم تعد الدولة تعتمد على خبرتها التراكمية، بل على درجة الامتثال السياسي. وهنا يكمن التحول الأخطر: عندما تُستبدل الخبرة بالطاعة، تتحول الدولة من كيان قادر على إدارة الأزمات إلى كيان قابل للانفجار عند أول اختبار غير محسوب. هذه ليست لحظة قوة، بل هي عملية “انتحار مؤسسي” منظمة.
2. المادة ٢٥: هل تحول “الدستور” من مرجع قانوني إلى آلية احتواء؟
لم يعد الجدل في واشنطن يدور حول سياسات “ترامب”، بل حول قدرته على الحفاظ على تماسك منظومة القرار نفسها. التحول هنا دقيق وخطير؛ لم نعد أمام معارضة سياسية، بل أمام “ذعر مؤسسي” يتجلى في الحديث المتزايد عن المادة 25—ليس كأداة صراع، بل كـ “طوق نجاة” أخير. حين تبحث دولة عظمى عن أدوات دستورية لضبط عقل مركز القرار، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت السياسة لتضرب في صلب الأهلية.
3. تجفيف المنابع: السلاح المالي يواجه طموح السلطة التنفيذية
في ظل عجز الكونجرس عن المواجهة السياسية المباشرة، بدأ باستخدام أدوات أكثر خشونة: المال. استراتيجية “تجفيف التمويل” لم تعد مجرد تكتيك، بل أصبحت وسيلة لشل حركة السلطة التنفيذية. نحن أمام شكل جديد من الحروب الداخلية: ليس بين خطابات ومواقف، بل بين قرار يريد الهروب للأمام.. وميزانية تقطع عليه الطريق. هذا الصدام لا يُسقط النظام فورًا، لكنه يحوله إلى “رجل مريض” داخل البيت الأبيض.
4. سقوط الهيبة: الحلفاء يبحثون عن “بديل” لواشنطن
لا يحدث هذا كله في فراغ؛ الحلفاء يراقبون بذهول.
في كل مرة تتسارع فيها القرارات الارتجالية، تتآكل الثقة في استقرار القرار الأمريكي.
العالم لا يحترم القوة المنفلتة، بل يحترم “القدرة على التنبؤ”. وحين تفقد واشنطن بوصلتها، يبدأ الحلفاء في إعادة حساباتهم والبحث عن مظلات بديلة، لأن أحداً لا يريد المراهنة على شريك لا يملك السيطرة على بيته الداخلي.
5. جي دي فانس: “الصمت الاستراتيجي” بانتظار لحظة الصفر
في هذا المشهد المضطرب، يقف نائب الرئيس جي فانس بشكل مريب. لا يقود، لكنه حاضر؛ لا يهاجم، لكنه لا يغيب. هذا الحضور هو “ترقب الذئب” داخل نظام متآكل. فانس لا يطرح نفسه كمنقذ، بل يترك النظام المنهار يسقط في حجره تدريجياً. هو يمثل ما تحتاجه الدولة العميقة الآن: هدوءاً يسبق العاصفة، وقدرة على لملمة الشتات بعد رحيل “الإعصار”.
الخلاصة: واشنطن.. هل انتهت اللعبة؟!
إننا لا نشهد أزمة رئاسية عادية، بل نشهد “مراسم دفن” للسياسة الأمريكية كما عرفناها واشنطن اليوم ليست “منارة للديمقراطية”، بل هي ساحة لتصفية الحسابات الهيكلية حيث المؤسسات تُستنزف، والقرارات تُتخذ تحت ضغط الجنون، والتوازنات الدولية تُذبح على قربان الولاء الشخصي.
الحقيقة الصادمة هي: *ترامب لم يعد يقود أمريكا، بل يقود صراعاً للبقاء على أنقاضها.* والسؤال لم يعد “من سيفوز في انتخابات ٢٠٢٦؟”، بل “هل ستبقى هناك دولة متماسكة لتقيم انتخابات أصلاً؟! “. نحن أمام نظام يلفظ أنفاسه القديمة، وما سيولد من رحم هذه الفوضى لن يشبه الماضي في شيء.








