ماذا يعني ان نقرأ ؟

بقلم حيدر الأديب
فلسفة القراءة تخرج من العبارة التي طرحها الأمام علي عليه السلام “ومن العقل حفظ التجارب” التي تتعاضد مع مقولته الأخرى “من شاور الرجال شاركها في عقولها “التي لو قرأناها ضمن أفق فلسفي، نجد اقتراب أرسطو منها وهو يتحدث عن “العقل العملي”، واصفا المشورة بفعل تشاركي العقل لا يكتمل بذاته ومن زاوية حديثة، يمكن ربط الفكرة بما يقوله دانيال كاهنمان عن تحيزات التفكير: العقل الفردي عرضة للخطأ، بينما التفكير الجماعي المنضبط يقلل الانحراف.
تؤسس العبارة ” ومن العقل حفظ التجارب” تصورًا يتعامل مع العقل كخزان للتجارب، ومع الزمن كقيد لا ينفك عن الكائن. العمر يتحرك في خط محدود، والرغبة في الإحاطة تتجاوز هذا الخط باستمرار، ومن هنا تنبثق القراءة حاجة تتصل بجوهر الوجود الإنساني.
لا يكتفي الإنسان بما عاشه، ويسعى إلى توسيع أفقه عبر ما عاشه الآخرون ما استطاع الى ذلك سبيلا، فتغدو القراءة وسيلة لسحب المسافات بين الذوات ومشاركة العقول في حركتها العميقة.
التجربة حين تعبر إلى اللغة تفقد شكلها الخام وتكتسب بنية قابلة للتداول. يمثل العبور للتجربة قابليتها على الاستمرار خارج جسد صاحبها، فتصل إلى قارئ آخر بوصفها أثرًا مشحونًا بالدلالة. في هذا المستوى، تتجلى القراءة كاستقبال لتجارب مدفوعة بثمن وجودي باهض، حيث الألم، الخطأ، الاكتشاف، والانكسار تتحول جميعها إلى محمول لغوي. القارئ يتلقى هذا المحمول، يعيد تفكيكه داخل وعيه، ثم يدمجه في بنيته الداخلية، فتتشكل لديه خبرة لا تعود ملكًا خالصًا للنص.
التحول بهذا التصور يمكن مقاربته ضمن أفق بول ريكور الذي ينظر إلى الفهم بوصفه إعادة تشكيل للتجربة عبر الوساطة الرمزية. النص يقدّم العالم في صورة مؤولة، والقارئ يدخل هذا العالم عبر اللغة، فيعيد بناءه داخل ذاته. وعليه تتحول القراءة في هذا السياق إلى فعل كتابة داخلية، حيث تتكون عوالم جديدة من الإدراك دون أن يشعر القارئ بحدود واضحة بين ما عاشه وما قرأه.
وعند هانز جورج غادامر تأخذ هذه العملية طابعًا حواريًا، إذ يلتقي أفق القارئ بأفق النص، فينشأ أفق ثالث يحمل سمات الاثنين معًا. افق يحدث في عمق التجربة الإنسانية التي يحملها النص. القراءة هنا حركة اندماج، وفي كل اندماج تتغير بنية الفهم، ويتحوّل القارئ إلى كائن متعدد الأصوات.
المعرفة التي تنتج عن القراءة تتحرك ضمن تمثلات تتشكل وتتحول باستمرار، وهو ما ينسجم مع حساسية ديفيد هيوم تجاه طبيعة الإدراك الإنساني. ما يصل إلى الوعي عبر النصوص يعمل بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل، والقارئ يملأ الفجوات، يضيف من ذاته، ويعيد توزيع المعنى وفق تجربته الخاصة.
تعمل القراءة على مستويين متداخلين: مستوى الإضافة حيث تتكاثر التجارب داخل الوعي، ومستوى التنقية حيث تتراجع تصورات سابقة وتفسح المجال لبنى جديدة. هذه الحركة المزدوجة تمنح القراءة طابعها الحيوي، وتجعلها عملية مستمرة لإعادة بناء الذات.
هكذا تتضح القراءة كفعل يكتب الإنسان من الداخل. التجربة التي لم تُعش تدخل في نسيج الوعي، والذات تتحرك في فضاء أوسع من حدودها الزمنية. القراءة تصبح وسيلة لتكثيف الحياة، حيث يتوزع الكائن بين ما عاشه وما قرأه، وبين ما هو كائن وما يمكن أن يكون.
