
د. علي زين العابدين الحسيني
نشأت علاقتي بالكتابة من خلال القراءة المبكرة والمطالعات الواسعة في مجالات الأدب والفكر والتاريخ والتراث والنقد؛ لأني كنت أرى وما زلت أن الكتابة ثمرة طبيعية للمعرفة، وأن القلم لا يمنح القارئ شيئًا ما لم يتزوّد صاحبه أولًا من معين القراءة المتجددة، وأقول: القراءة المتجددة التي لا تتوقف. ومنذ سنوات الدراسة الأولى بدأت محاولاتي في الكتابة، ثم نمت هذه المحاولات عبر الممارسة المستمرة والاحتكاك بالكتب والكتّاب وأصحاب التجارب الفكرية والثقافية، حتى أصبحت الكتابة جزءًا أصيلًا من مشروعي العلمي والثقافي.
وقد أسهمت هذه الرحلة مبكرًا في فتح أبواب النشر أمامي في عدد من المجلات والصحف والمنصات الثقافية المحلية والعربية والعالمية، حيث تنوعت مشاركاتي بين المقالات الأدبية والفكرية والاجتماعية، والدراسات التراثية، والتراجم والسير، والمراجعات القرائية، والموضوعات التربوية والثقافية العامة. كما شاركت في إعداد ملفات ثقافية خاصة في بعض المجلات، والإشراف على مواد تحريرية تناولت قضايا الفكر والثقافة والأدب، بما أتاح لي الإسهام في بناء محتوى ثقافي متنوع يخاطب شرائح مختلفة من القراء.
وخلال هذه التجربة حرصت على أن تكون الكتابة وسيلة لبناء الوعي وإثراء المعرفة، وليس نشاطًا صحفيًا عابرًا؛ لذلك اتجه اهتمامي إلى الموضوعات التي تمس حياة القارئ الفكرية والثقافية، وإلى تقديم رؤية متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتربط بين التراث العلمي ومتطلبات الواقع، في إطار من الاعتدال والموضوعية والوسطية؛ بعيدًا عن الخطاب المتشدد. وقد سعيت إلى أن تحمل كل مادة أكتبها قيمة معرفية أو إنسانية أو اجتماعية، وأن تضيف إلى القارئ فكرة نافعة أو رؤية جديدة أو نافذة يطل منها على عالم أوسع من الفهم والتأمل.
وقد شغلت التراجم والسير العلمية والتأملات التاريخية جانبًا مهمًا من اهتماماتي؛ إذ رأيت أن التعريف بالعلماء والأدباء والمفكرين والمصلحين يمثل أحد أبواب الوفاء الثقافي، ووسيلة فعالة لنقل الخبرات والتجارب إلى الناشئة والأجيال اللاحقة. لذلك كتبت عن عدد من الأعلام المعاصرين والراحلين، وسعيت إلى إبراز جوانب عطائهم العلمي والإنساني، وإحياء ذكراهم من خلال مقالات تجمع بين التوثيق والرؤية الأدبية، وتكشف ما في سيرهم من معانٍ ملهمة ودروس نافعة، وكتابة هذه التراجم قد اهتم بذكر الجوانب النفسية والشخصية لهؤلاء الأعلام التي يقل الالتفات إليها.
كما أوليت عناية خاصة بالكتابة عن أساتذتي ومن عرفتهم من أهل العلم والفضل من مختلف البلدان؛ إيمانًا مني بأن التجارب الإنسانية والعلمية الثرية جديرة بالحفظ والتدوين والتسجيل والإلهام، وأن نقل سير الرجال ومواقفهم جزء من حفظ الذاكرة الثقافية للأمة. ولم يكن هدفي تسجيل الوقائع فحسب، وإنما اهتممت كثيرًا بإبراز ما تحمله تلك السير من قيم ومعانٍ ودروس، وربط الأجيال الجديدة بنماذج حية من أهل العلم والخلق والعطاء.
وأما في المقالات الفكرية والاجتماعية فقد سعيت كثيرًا إلى معالجة القضايا المعاصرة بروح متوازنة، مع الحرص على فتح آفاق الحوار والتأمل، وإثارة الأسئلة التي تسهم في تنمية الوعي الثقافي وتعميق النظر في مختلف القضايا الفكرية والاجتماعية. كما تناولت عددًا من الموضوعات المتصلة بالتربية والتعليم وأخلاقيات المعرفة وأهمية القراءة ودور المؤسسات الثقافية والعلمية في صناعة الوعي وبناء الإنسان، ومن خلال هذه المقالات قدمت رؤية متكاملة عن الثقافة والتعليم في كتابي المطبوع بالمغرب منذ سنوات “الثقافة وأخواتها”، وقد حظي باهتمام كبير من رجال الثقافة والتعليم.
وأنا مع ذلك أؤمن بأن الكاتب لا يستطيع الاستمرار في العطاء ما لم يحافظ على صلته الدائمة بالقراءة والتحصيل المعرفي، فالقراءة هي الزاد الحقيقي للكتاب، وهي الداعم الأساسي لاكتمال أدوات الكتابة؛ لأن الأفكار تولد من بين صفحات الكتب، وما الكتابة الحقيقية إلا امتداد لمشروع متواصل من التعلم والتثقيف الذاتي. ومن هنا ظل الكتاب رفيقًا دائمًا في رحلتي العلمية والثقافية، ومصدرًا أساسيًا في بناء الرؤية وتشكيل الوعي، ومفتاحًا لفهم التجارب الإنسانية واكتشاف آفاق جديدة للبحث والتأمل.
كما أرى أن العمل الثقافي لا يقتصر على إنتاج المقالات والدراسات، وإنّما يتجاوز ذلك إلى المساهمة في إحياء الذاكرة العلمية والأدبية، وربط الحاضر بالماضي، وإبراز النماذج المشرقة التي أسهمت في بناء الحضارة والمعرفة. ولهذا حرصت على التعريف بكثير من العلماء والأدباء والمحققين والمربين الذين كان لهم أثر بارز في حياتهم ومجتمعاتهم، إيمانًا بأن الوفاء للرواد جزء من الوفاء للعلم نفسه.
ولا يزال من أبرز ما أسعى إليه في عملي الثقافي ومشروعي الكتابي الدعوة إلى إعادة الاعتبار لعلمائنا وأدبائنا ورواد النهضة الفكرية، والكتابة عنهم بلغة تجمع بين الدقة التاريخية والجمال الأدبي، بما يسهم في حفظ تراثهم وإبراز أثرهم، ويجعل من سيرهم وتجاربهم منارات تهتدي بها الأجيال القادمة. وأطمح إلى مواصلة هذا المشروع من خلال الكتابة والبحث والتوثيق، والإسهام في تقديم محتوى ثقافي رصين يجمع بين المعرفة والمتعة، ويحافظ على الصلة الحية بين الإنسان وتراثه، وبين القارئ ومصادر الإلهام الفكري والأدبي التي صنعت نهضة الأمة العربية وأسهمت في تشكيل وجدانها الثقافي.







