
أ.م.د. سهام عبد الباقى محمد
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية بولاية منيسوتا الامريكية – المركز الرئيسي
لطالما كانت أرض مصر مستقر لأنبياء الله ورسله وملاذ لهم ، فعاش فيها نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام وتزوج من السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل عليه السلام والتى كانت تقطن في منطقة الفرما بسيناء، وقَدِم اليها نبي الله يوسف ابن يعقوب عليهما السلام فترعرع فيها صبيًا مباركًا وأصبح ربيب عزيز مصر ومر بتقلبات الحياة وانكساراتها فعاش سجينا فى شبابه ثم أخرجه الله منه عزيرا ووٌلى الوزارة وملئت مصر بِهَديه خيرً ووفرةً ، ووٌلد على ترابها سيدنا موسى عليه السلام كليم الله وتزوج ابنة نبي الله سيدنا شعيب. ووطئتها السيدة مريم ابنة عمران المباركة فى الانجيل وسيدة نساء العالمين المطهرة، المصطفاه فى القرأن الكريم وعاش بها السيد المسيح طفلا وخطى أولى خطاه بها فحلت بركتهم بمنطقة حي المطرية بمدينة القاهرة وسٌمِيت الشجرة التي أظلتهما وكانت تنحني عليهما لتخفيهما عن الأنظار بشجرة مريم ولا تزال تلك الشجرة المباركة مقصدًا للمسيحيين والمسلمين على حد سواء. وعندما فٌتحت مصر على يد القائد العربي المسلم عمرو بن العاص كان المسيحيون يجدون في الفتح الاسلامي خلاصًا من معاناتهم مع البيزنطيين الذين كانوا على غير مذهب المصرين القائم على وحدة طبيعة السيد المسيح فنكلوا بمسيحيين مصر أشد تنكيل، بينما اندمج المسيحيين مع الفاتحين المسلمين بعد السماح لهم بإقامة شعائرهم الدينية وبتسامح كبير تنفيذًا لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقوله:” أوصيكم بقبط مصر فإن لهم ذمة ورَحمًا”. لما لا؟ ألم يحمى النجاشي أصمحة ابن أبجر ملك الحبشة المسيحي المسلمين المهاجرين؟ في قولته الخالدة : والله لا أسلمكم هؤلاء ولو بجبلين من ذهب….. كما كانت أرض سيناء ملاذ آمن لكثير من الرهبان الذين فروا إليها وأقاموا بها الكنائس والأديرة للتعبد والتبتل والشاهد على ذلك دير سانت كاترين أقدم الأديرة بسيناء.
وكانت أعياد المسيحيين كعيد الغطاس يشارك فيها جموع المصريون ويشربون عصير الليمون ويأكلون السمك المشوي على ضفاف نيلها العظيم فى العصر الفاطمي وكان يتولى الانفاق على هذا الاحتفال الشعبى السلاطيين من نفقتهم الخاصة. فأصبحت الأعياد في مصر تجمع كافة فئات الشعب شاهدة على لٌحمًتهم ومحبتهم.
من أجل هذا عاش المصريون على مر العصور في وحدة وطنية فريدة من نوعها ترسخت وتتوثقت عراها على مر الزمن تجلت قوتها وقت الأزمات فلم تنل منها الأجندات الخارجية التى كرست جهودهالإضعافها وإسقاطها دون جدوى، حيث حافظ قطبي الأمة على عهدهم الذى قطعوه بأن لا تٌمس وحدتهم ولا تَضعٌف روابطهم ولا يٌشق صفهم ولا يفرطوا فى تاريخهم وحضارتهم المشتركة.
رٌبينا في طفولتنا على قيم رواسخ وهي أن الدين لله وحده ومصر لنا جميعا ، تعلمنا أن نصطف معا فى السراء والضراء فى الصحة والمرض فى الضيق والرخاء ، نجامل بعضنا بعضًا تجمعنا موائد الإفطار والسحور في شهر رمضان المبارك، نتزاحم على محلات الحلوى الرمضانية يلهوا أطفالنا بالفوانيس معا، تتجلى مشاعر المودة في أبهي صورها وأنت تٌطالع المسيحيين يقدمون لأخوانهم الصائمين التمر والماء في الشوارع والطرقات عند الافطار ، بل ويمتنعمون عن الطعام والشراب في نهار رمضان من قبيل التقدير والمشاركة لإخوانهم. يحتفل المسيحيون بعيد القيامة المجيد الذي يعقبه عيد شم النسيم الذي ذابت فيه الهوية المصرية وأصبح عيد شعبي بامتياز، في مشهد ومشاعر حميمة تختصر مراحل التاريخ التى تمخضت عنها مصر الفرعونية والقبطية والاسلامية.
لذا سيبقى الهلال مع الصليب رمزًا لوحدة مصر وشموخها، وستظل تعاليم السيد المسيح والنبي محمد عليهما السلام أنشودة محبة وترنيمة سلام ………..وسلام على السيد المسيح وسلام على أمه مريم الصديقة، رمز وحدتنا المبجل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ابن عبد الله نبي الله ومصطفاه. عاشت مصر وطننا وعاش شعبها العظيم.








