
حين يتسرب إلى الأذهان خبر يتحدث عن تعيين اثنين وعشرين مستشاراٌ لوزير الإعلام لا يعود الجدل حول الأفراد ولا حول سيرهم الذاتية.. بل يتعلق الأمر كله بالرقم نفسه. لأن الرقم وحده كاف ليوقف القلم ويثير الدهشة. اثنان وعشرون مستشاراٌ يعني جيشاٌ من المكاتب والرواتب والبدلات والسيارات والإجتماعات التي لا تنتهي. ويعني أيضاٌ عبئاٌ مالياٌ يخرج من خزينة الدولة في توقيت تقول فيه كل المؤشرات أننا في حاجة إلى ترشيد وإقتصاد وإعادة ترتيب للأولويات.
الإستغراب الذي صاحب تداول الرقم لم يكن إستغراباٌ عبثياٌ. بل كان انعكاساٌ لحالة عامة يعيشها الناس. فالمواطن يسمع كل يوم عن ضرورة ضبط الإنفاق العام وعن ترشيد الإستهلاك وعن أن كل جنيه في الميزانية يجب أن يذهب إلى مكانه الصحيح. ثم يصطدم فجأة برقم يبدو فلكياٌ في جهاز واحد وغير منطقى بالمرة. وهنا يحدث التصادم بين الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى التقشف وبين صورة ذهنية تقول إن الهياكل تتضخم دون مبرر واضح.
‘ هل الوزارة عاجزة عن العمل بمن في داخلها من كفاءات؟
ولو افترضنا جدلاٌ أن الخبر صحيح فالسؤال الأهم يصبح لماذا اثنان وعشرون تحديداٌ. هل الوزارة عاجزة عن العمل بمن في داخلها من كفاءات. هل الهيئة العامة للإستعلامات ومركز المعلومات ودعم إتخاذ القرار وكل المتحدثين الرسميين في الوزارات لا يكفون لإدارة ملف واحد. أم أن الأمر تحول إلى مجاملات وتوزيع مقاعد تحت مسمى الإستشارة. لأن الإستشارة إذا خرجت عن معناها الحقيقي وهو تقديم رأي خبير عند الحاجة صارت وظيفة وهمية تستنزف المال العام بلا فائدة تذكر.
- الإعلام اليوم لم يعد رفاهية بل حرب رواية ومعركة وعي
ومن ناحية أخرى لا يمكن إنكار أن الإعلام اليوم لم يعد رفاهية. فهو ساحة معركة مفتوحة وحرب رواية ومعركة وعي. ودولة تريد أن تضبط خطابها وتواجه الشائعات وتعيد الثقة بينها وبين جمهورها تحتاج بالفعل إلى عقول تشتغل. لكن الفارق بين الحاجة والترف دقيق جدا. فمستشار واحد يعرف ماذا يقول ومتى يقول ولمن يقول قد يكون أثمن من عشرين إسماٌن على الورق لا يفعلون شيئاٌ إلا حضور الإجتماعات.
- الإعتراض ليس على الكفاءة بل على الرقم الذي لا يشبه اللحظة
ولذلك كان رد الفعل الشعبي منطقياٌ ومفهوماٌ. الناس لا تعترض على الكفاءة ولا تعترض على أن يكون للوزير فريق يعينه. الناس تعترض على الرقم الذي لا يشبه اللحظة. الرقم الذي لا يتناسب مع الحديث عن تقليل النفقات وتعظيم العائد من كل جنيه. الرقم الذي يجعل المواطن يسأل نفسه سؤالاٌ واحداٌ بسيطاٌ ومباشراٌ. إذا كانت الدولة تطلب مني أن أشد الحزام فلماذا يتسع حزام غيري.
وفي النهاية يبقى الحكم معلقاٌ على الشفافية. إن كان العدد مبالغاٌ فيه فتصحيحه واجب قبل أن يتحول إلى سيف يستخدم ضد الدولة نفسها. وإن كان العدد صحيحاٌ وله مبرر مهني واضح فعلى الدولة أن تقوله للناس بكل صراحة ووضوح. لأن المال العام ليس سراٌ والثقة لا تبنى بالصمت. فحين يصبح الرقم أكبر من الحجة يخسر الجميع حتى ولو كانت النوايا سليمة.
