
حين يسدل الستار على بطولة كأس العالم وتغادر الفرق الملعب تبقى الذكريات هي وحدها التي تحكي من كان رجلاٌ ومن كان رقماٌ ومن صنع فرحة ومن صنع خيبة وحين نكتب عن منتخب مصر اليوم لا نكتب عن نتيجة ولا عن خروج ولا عن هدف ضائع بل نكتب عن قلوب رفضت الإنكسار وعن رجال جعلوا من الخسارة درساٌ ومن الدمع وقوداٌ ومن القميص الذي ارتدوه أمانة حملوها بصدور مرفوعة.
– منتخب مصر كتب ملحمة في ثمن نهائي كأس العالم
كان الأداء بطولياٌ ورائعاٌ ومتميزاٌ لدرجة جعلت الجميع يدرك أن مصر كانت الأحق والأقرب إلى العبور إلى الدور ربع النهائي وأن ما حدث في الدقائق الأخيرة لا يقلل من قيمة ما قدمه الرجال على أرض الملعب
ولأن كرة القدم لا تقاس فقط بالأهداف فقد كان من الصعب على كثيرين أن يتقبلوا فكرة خروج ميسي بطل العالم ومنتخب الأرجنتين من هذا الدور وكان من الصعب عليهم أن يروا منتخباٌ عربياٌ وإفريقياٌ يزيح أحد المرشحين الكبار من طريقه. وربما فسر ذلك ما ظهر على وجوه بعض الحاضرين في المدرجات من ملامح الحسرة عندما سجلت مصر الهدف الأول ثم عززت بالثاني وملامح الارتياح التي ظهرت مع صافرة النهاية التي أعلنت فوز الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين
– مصر تربح الإحترام والفيفا يخسر نفسه
نزل رجال مصر إلى الملعب فلم يلعبوا من أجل نتيجة فقط بل لعبوا من أجل صورة وطن ومن أجل صوت جماهير لا تعرف الصمت ومن أجل مبدأ لا يقبل المساومة. لذلك خرجوا مرفوعي الرأس حتى وإن خرجوا من البطولة لأنهم كانوا الأحق والأقرب وكانوا الأصدق في الأداء والأكثر رجولة في المواجهة.
مصر لم تخسر في هذا اليوم بقدر ما ربحت إحترام العالم كله وربحت ثقة جماهيرها وربحت يقيناٌ بأنها قادرة على منافسة الكبار وأنها تملك جيلاٌ يستطيع أن يكتب صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية.
وما كسبته المنظومة في أوراقها خسرته في ضمير العالم كله.
خرج المنتخب من البطولة مرفوع الرأس ودخل قلوب الجماهير من أوسع الأبواب لأن البطولة الحقيقية ليست في الكأس فقط وإنما في الموقف وفي الأداء وفي أن تترك أثراٌ لا تمحوه النتيجة.
أما الفيفا فقد سقط في إختبار بسيط جداٌ إختبار أن تكون عادلاٌ حين يشتد الضغط وأن تكون محايدا حين تصبح السياسة حكماٌ في الملعب وأن تحترم الجماهير قبل أن تطلب منها أن تحترمك لكنه إختار طريقاٌ آخر فكانت القرارات إنتقائية وكانت الصافرات في توقيت مريب وكان الميزان يميل كلما علت راية الحق في المدرجات
اليوم فازت مصر بإحترام كل شعوب العالم الحر من شرق الأرض إلى غربها إحترام لم يأتي من هدف ولا من فوز جاء من موقف جاء من صوت قال كلمته في زمن الصمت وجاء من لاعبين قاتلوا ولم يبيعوا وجاء من شعب أثبت أن الكرة يمكن أن تكون رسالة
وفي المقابل خسر الفيفا أكثر مما يتصور خسر هيبته وخسر مصداقيته وخسر ذلك القناع الذي طالما اختبأ خلفه تحت عنوان اللعب النظيف سقط في شر أعماله لأنه ظن أن الناس ستنسى وظن أن التاريخ يكتب بالتقارير لا بالذاكرة
البطولات تذهب وتجيء والكؤوس تتبدل أسماؤها لكن المواقف تبقى والاحترام إذا ذهب لا يعود والشعوب لا تنسى من وقف معها ولا تنسى من باعها
ودعت مصر المونديال وتركت خلفها درسا لن يمحى أن الشرف لا يقاس بالنقاط وأن الهيبة لا تشترى وأن من يراهن على صمت الجماهير سيخسر في النهاية حتى لو رفع الكأس








