
تقرير هند محمد
وجه جاد استطاع أن ينتزع ضحكة صادقة من قلوب الجماهير، الذين عرفوه رجل كبير السن بشارب وشعر أبيض، يشبه آباءهم أو جار طيب وموظف أمين قابلوه مصادفة، فقبل وفاته عاش سنوات طويلة يسعى مخلصا ليكون التمثيل مهنته، معبرا بصدق عن المواطن المصري وهمومه، واستحق الشهرة عن جدارة ولكنها جاءته متأخرة، فصنع منها نجومية لم يدرك حجمها.
تلقائي الأداء، تشعر أنه أحد أفراد العائلة، منحه الجمهور والنقاد لقب “فارس الكوميديا، الضاحك الباكي، صاحب الضحكة الراقية”.. إنه الفنان الكوميدي حسن عابدين.
حياته
ولد الفنان حسن عابدين ، في محافظة بني سويف وسبق وصحح ابن حسن عابدين، تاريخ ميلاد والده، بأنه يوم 28 يوليو عام 1931، وليس يوم 21 أكتوبر، مثلما كان مُشاع حوله.
ولد في أسرة متدينة، وكان أصغر أشقائه، التحق بمدرسة بني سويف الابتدائية، وشجعه أساتذته على أداء شخصيات الدروس، انضم للفرقة المسرحية بالمدرسة، تخرج في المدرسة الثانوية و شارك أول تجربة مسرحية له بدور البطولة في مسرحية “موسي الهادي”، وعُرضت على مسرح مدرسة النيل الثانوية، ومسرح سينما الأهلي، ولاقت نجاحا كبيراً، منعه والده من استكمال دراسته الجامعية خوفاً من التحاقه بمعهد التمثيل.
تزوج حسن عابدين من ابنة عمه وأنجب منها 4 أبناء، هم: طارق وخالد وإيمان وهبة، ورفض أن يلتحق أي منهم بالعمل الفني أو التمثيل، وظلّ أغلب سنوات عمره محافظا لا يفضل الإفصاح عن حياته الشخصية، سريع الغضب لكنه يمتلك قلب رقيق، ولم ينل التكريم في حياته.
كان حسن عابدين أبا بمعنى الكلمة ولا يختلف كثيرًا عن شخصية الأب التى كان يقدمها كثيرًا فى أدواره، فكان محبا للناس، ومتواضعا إلى أقصى درجة، ويتسم بالطيبة، فكان أبا حنونا وعطوفا ويهتم بأسرته بدرجة كبيرة مثل أى أب.
العوامل التي شكلت اتجهاته الفنية
حسن عابدين من أبناء عائلة عابدين العريقة فى بنى سويف، ولم يدخل عالم الفن بالصدفة وإنما كانت هناك بيئة ثقافية حاضنة لموهبته، فوالده الحاج عبدالوهاب عابدين كان من أعيان بنى سويف، وكان يهتم بالثقافة والفكر والسياسة، وكان يعقد صالونًا سياسيًا وثقافيًا كل خميس فى القرية، يجمع فيه أعيان بنى سويف، وفى هذا المناخ تربى عابدين وأحب التمثيل الذى كان موهوبًا فيه، ولم يكن فى ذهن والده أبدا أن ابنه سيحترف الفن، فقد كان الوالد يرى التمثيل عيبًا جدًا، ولا يليق باسم العائلة، وتحايل حسن على ذلك بنقل وظيفته إلى القاهرة، وكان رئيس قلم محضر فى وزارة العدل، وأفادته هذه الخطوة بأن دفعت به لأحضان المسرح العسكرى .
كان التمثيل حلم الفنان حسن عابدين منذ الطفولة، وعلى الرغم من أن والده الذى كان من الأعيان رفض خوضه التجربة، فإن والدته كانت داعمه له.
يحكى خالد عابدين أن الفنان حسن عابدين ذات يوم أخذ والدته لتحضر مسرحية كان بطلها فى العيد القومى لمحافظة بنى سويف، وشرح لها أنه يقدم فى العمل دور فدائى وسيستشهد خلال العرض، وسيكون ذلك مجرد تمثيل، حتى لا تخاف عندما ترى المشهد أمامها، ولكن رغم ذلك وقت تنفيذ المشهد خلال العرض، وبمجرد أن سقط على المسرح، صرخت وهرولت مسرعة نحوه فاضطر أن يفسد المشهد ويقف ليثبت لها أنه لم يمت، حتى تطمئن عليه.
علاقة حسن عابدين بالمسرح العسكري..و “عبد الناصر” سبب تأخير شهرته
رحلة احتراف حسن عابدين مع التمثيل، كانت فى «المسرح العسكرى» عقب ثورة 1952، عندما شاهد أحد العروض التى جاب بها الفريق محافظات الصعيد، فذهب إلى الفنان محمود صبحى والد الفنان محمد صبحى، والذى كان ممثل وإدارى الفرقة، وطلب منه أن ينضم للفريق ممثلا، وعندما سأله صبحى ما هو الدور الذى لفت انتباهك، قال له: إنه يستطيع أن يقدم شخصية أحمد عرابى أفضل من الممثل الذى قدمها، لم يكن يعرف فى هذه اللحظة أن الذى يجسد شخصية عرابى هو نفسه الفنان محمود صبحى الذى يتحدث إليه، فغضب صبحى، ووضع فى طريقه العراقيل حتى لا ينضم للفرقة، ولكن مع زيادة إلحاحه وتردده على الفرقة رغبة منه فى الانضمام إليها، فالتقى بالمخرج نبيل الألفى، فاختبره وقبله ممثلا فى الفرقة، ليتزامل فى هذا الوقت مع عدد من نجوم مصر الذين كانوا فى هذا الوقت أبطالا لفرقة «المسرح العسكرى»، ومنهم الفنانون سعاد حسنى وإحسان القلعاوى وجورج سيدهم، وإبراهيم الشامى وحسن حسنى، واستمرت رحلته مع المسرح العسكرى حتى أصبح بطلا للفرقة، وجاب معها الأقطار العربية، حسب نجله خالد عابدين.
وأثناء عمله فى المسرح العسكرى، اختاره المخرج نبيل الألفى بطلا لمسرحية كان اسمها «ثمن الحرية» كتبها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وكان يجسد فيها شخصية القائد الفرنسى «كليبر»، وعلى الرغم من أنها كان من المفترض أن تعرض فى أعياد الثورة، ولكن عندما تم مشاهدتها فى البروفة الأخيرة قبل العرض الرسمى، تم اتخاذ قرار برفض عرضها، وهذا القرار كان صدمة كبيرة بالنسبة له.
ويذكر خالد عابدين ابن الراحل، إلى أن سوء الحظ صادف والده فى كثير من العروض المسرحية الهامة التى قدمها، خاصة بعد أن انضم لفرقة الفنان يوسف وهبى، وقدم كثيرا من العروض، ولكن كانت المشكلة أنه لم يحضر تصوير غالبية العروض.. ثم انضم بعد ذلك للمسرح القومى وقدم كثيرا من العروض، ولكنها أيضا لم يتم تصويرها للتلفزيون، كما أصبح بطلا لمسرح الريحانى فى وقت من الأوقات.
وعلى الرغم من أنه لم يحصل على حقه، وتعرض للظلم، ولكن عندما سئل فى لقاء تلفزيونى: لماذا حصلت على الشهرة متأخرا؟ فكانت إجابته رغم بساطتها كلها “رضا”: “اتشهرت فى الوقت اللى ربنا عايزنى اتشهر فيه”.
أعماله الفنية
تنوع عطاء الفنان الراحل حسن عابدين بين السينما والمسرح والتليفزيون، وتنوعت أدواره بين أدوار الأب والموظف المطحون والإنسان المدافع عن القيم، ولعب الأدوار الكوميدية والتراجيدية، وأجاد فى جميع هذه الأدوار ، امتدت مسيرته من ١٩٧٢ إلى ٩ ١٩٨ بدأها فى المسرح العسكرى عندما كان متطوعًا فى الجيش
قام حسن عابدين، بالكثير من الأعمال الفنية الناجحة في وقتها ومن بينها:
فمن أفلامه درب الهوى، والشيطان امرأة، والعذاب فوق شفاه تبتسم، وعلى من نطلق الرصاص، والأنثى والذئب، وسنة أولى حب، وعنبر الموت.
ويعتز الفنان حسن عابدين بأعماله التلفزيونية، ومنها :فيه حاجة غلط ؛فرصة العمر؛ أهلا بالسكان، أبنائى الأعزاء شكرا؛ أنا وأنت وبابا فى المشمش، فيه حاجة غلط، ؛أرض النفاق، وآه يا زمن ، نهاية العالم ليست غدًا؛ طيور الصيف
ومن مسرحياته «نرجس، وعش المجانين، وع الرصيف، والمشاكس»، كما أدى مجموعة من الإعلانات خفيفة الظل.
بالإضافة إلى تجربته فى الإذاعة، حيث كان ممثل إذاعة من الطراز الأول، كما كان يقدم برنامجا يكتبه يوسف عوف، يحمل اسم “عجبى”.
وعلى الرغم من أن الفنان حسن عابدين قدم كثيرا من الأعمال فى السينما والتلفزيون والمسرح، فإنه أعلن عن ندمه لمشاركته فى فيلم “درب الهوى”إخراج حسام الدين مصطفى، وكان لا يحب الشخصية التى قدمها على الرغم من إجادتها فى أدائه
سعد الله ونرجس
وكان “سعد الله” دور الحظ، حين جسد والد سهير البابلي في مسرحية “نرجس” عام 1975، بعد أن صبغ شعره وشاربه باللون الأبيض ليبدو أكبر سنا، وتم تصوير المسرحية وعرضها في التلفزيون، وبدأ الجمهور يتعلق بحسن عابدين ويميزه من بين الفنانين، ويتمتع بحسه الفكاهي وتلقائيته غير المسبوقة بعد أن بلغ 44 عاما.
قصة انضمام حسن عابدين للمقاومة الفلسطينية وهروبه من الإعدام
ذكر خالد عابدين أن والده انضم للمقاومة فى فلسطين عام 1948 وهو فى عمر 17 سنة، ليواجه العصابات الصهيونية التى استهدفت احتلال الأراضى الفلسطينية، وظل لمدة عامين، حتى ألقى القبض عليه، وحكم عليه بالإعدام، قبل أن يفرج عنه مع أعداد من الفدائيين، بعد أن هدد أحد زملائه بتفجير القاعة إذا لم يتم الإفراج عن الجميع، مشيرا إلى أن والده عاد من فلسطين إلى مصر سيرا على الأقدام، وظل طوال حياته مدافعا عن القضية الفلسطينية، ومهموما بها.
لماذا طرد من أمام قبر الرسول؟
من المواقف الشهيرة في حياة الفنان حسن عابدين واقعة طرده من أمام قبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة المنورة، حيث كان وقتها يؤدي دوره في مسرحية “عش المجانين”، وخلال الأجازة ذهب لآداء العمرة، وخلال وقوفه عند المقام النبوي الشريف أخذ يبكي، فلمحه الحراس، وعرفوا أنه ممثل، فطردوه من هناك، بعد أن قالوا له : أنت ممثل وما ينفعش تقف هنا، وأثر هذا الموقف في حسن عابدين، وقرر اعتزال الفن.
كيف أقنعه الشعراوى بالتراجع عن اعتزاله؟
عاد حسن عابدين من العمرة مكتئبا، ولازم منزله يقرأ القرآن ويبكي بحرقة، وحينها قرر أن يعتزل وتحدث إلى محمد نجم ليجد ممثلا آخر، ومع محاولاتهم جميعا لم يقتنع، حتى أقنعه صديقه الممثل إبراهيم الشامي بزيارة الشيخ الشعراوي، وفي هذا الموقف كان هناك دور كبير للشيخ الشعراوي الذي رحب به فور أن التقاه وعندها اندهش عابدين و حكى له الموقف وأخبره بنيته الاعتزال قائلا”: أنا جايلك عشان اعتزل التمثيل؟
ليرد إمام الدعاة عليه: (لما أنت والناس الحلوة اللي بتتكلم عن المبادئ يسيبوا الفن أمال الناس تسمع لمين، وأنت بتقول كلمة طيبة وبعيدة عن الابتذال.. وبشوف لك المسلسلات والمسرحيات لما أنت تمشي هتفرج على مين.)
ونصحه الشعراوي أن يستمر في مهنته وهو ما أفرحه ليعود مرة أخرى إلى التمثيل.
حسن عابدين “أب” في سن العاشرة
بعمر الرابعة، كان معلمته “فاتن” أول من لاحظ قدرته على التقمص، وفي كل حصة لدروس المحفوظات، التي غالبا ما تكون عبارة عن قصص حوارية بين الحيوانات أو أفراد أسرة واحدة، تطلب منه أن يقوم بالقراءة ويحاول تمثيل الحيوانات، فأعجبته اللعبة.
وبدأ حسن عبد الوهاب عابدين في بني سويف، المشاركة في مسرحيات المدرسة ، وكان أول أدواره وهو في العاشرة من عمره دور “الأب”، الذي ظلّ ملاصقا له طوال مسيرته الفنية لدرجة أنه لا يتذكر أن أدى دورا غيره، ثم توالت مشاركاته في الأعمال المسرحية والعروض في بني سويف وعلى مستوى المحافظة، ويستمر “أب” حتى ليوسف وهبي وأمينة رزق.
حسن عابدين.. وسر شويبس
اتجه عابدين إلى عالم الإعلانات بتقديم سلسلة “سر شويبس” عام 1982.
في البداية كان يرفض أن يتجه كفنان وممثل إلى الإعلانات، ولكن أقنعه وقتها رجل الأعمال عثمان أحمد عثمان بتقديم مشروب شويبس باعتباره صناعة وطنية للجمهور، واستطاعت أن تحوذ سلسلة الإعلانات رواجا كبيرا، وما زالت إلى الآن تمثل حالة نوستالجيا لدى جيل الثمانينات، ولكن وقتها واجه حسن عابدين انتقادات لاذعة وقوية من الصحافة والنقاد، باعتباره خان الفن وأهان التمثيل.
وبعدها، رغم رغبة شركة سيارات في أن يكون ممثل حملتها الإعلانية، على أن تقدم لها ولعائلته سيارات مجانة وعائد مادي كبير، لم يوافق حين عابدين وقرر هجر الإعلانات إلى الأبد، واستمر في العمل الفني محملا بمساعر إحباط وأذى تملكت منه.
أشهر إفيهات حسن عابدين
مع توالي الأجيال، قد يسقط نجم ذائع الصيت من الحسابات، ويغفل الناس عن أعماله، ولكن هناك فنانون مع مرور السنوات يتم غدراك قيمة ما قدموه، وتصبح لزماتهم مرافقة لنا، من بينهم حسن عابدين، الذي نتذكر له:
“آه يا دماغي”
في مسرحية “ع الرصيف” التي اشترك في بطولتها حسن عابدين مع سهير البابلي وحسن حسني وأحمد بدير وأخرجها جلال الشرقاوي عام 1987، تمكن الفنان القدير أن يخرج من الأحداث بكلمة معبرة “آه يا دماغي”، فالمسرحية سياسية ويعبر عابدين عن مواطن عادي لا يملك شيئا أمام العثرات، فمن حين لآخر يعبر عن وجيعته بـ “آه يا دماغي”.
“ده إحنا هنضحك ضُحك.. مش ضِحك ضُحك”
فور أن يباغته محمد نجم بكلمته الشهيرة “شفيق يااا راجل” يقف حسن عابدين متلعثما يجاريه ويحاول أن يكتشف من المقصود، في واحد من أشهر المشاهد المسرحية في مسرحية “عش المجانين” عام 1979، ولكنه استطاع أن يخرج من هذا المأزق بكل عفوية وبجملة أخرى شهيرة ما زالت حاضرة في أحاديثنا اليومية، مرددا “ده إحنا هنضحك ضُحك.. مش ضِحك ضُحك”.
الوفاة
توفى الفنان الكوميدي حسن عابدين في 5 نوفمبر 1989 في إحدى مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، حيث كان يعالج هناك من الأزمة القلبية التي انتابته أثناء تأديته لدوره في مسرحية “بولونيكا” بالإسكندرية بعد قضائه أسبوعا في أحد المستشفيات الخاصة بالقاهرة.
وشُيعت جنازته في موكب جماهيري، ودُفن في بني سويف كما أوصى.







