
راجي بشاي

يعتقد البعض و هم ليسوا قليلون أن المسيحيين يعبدون الصليب و يعبدون منحوتات الأيدي وأنهم يقدمون صلوات تعبدية للقديسين .. و أسيئ الفهم إلي أن وصل إلي ذروته كما حدث في بعض البلاد من التطاول علي منحوتات القديسين وصورهم وقذفوا المسيحيين بعبارات مسيئة مثل عباد الصليب …. إلخ.
لكن أن يصل هذا الإنحراف في سوء الفهم إلي فكر و وجدان قسيس مصري .. فيجب أن تكون هناك وقفة يتم الرد فيها علي من لا يعلم و أيضا إيضاح التعليم الكتابي الكامل لمن يقتطف بعض الآيات و يوظفها علي هواه و لخدمة مفهومه العقائدي.
“كرامة القديسين ليست وثنية”.. الفاعل قس مصري من شهود يهوه يدعى نسيم عبد المسيح .
ما يحدث هو تسرع بعض الناس الذي يوقعهم في فخ الفهم الحرفي والسطحي لبعض آيات الكتاب المقدس، و يندفعوا بدافع الغيرة “التي ليست حسب المعرفة” (روميه الأصحاح ١٠ الآية ٢)، فيقوموا بتصرفات صعبة زي تقطيع صور القديسين ورميها، بحجة إنها “أصنام” أو “صورة الوحش”. لكن لو فتشنا الكتب المقدسة بوعي وبدون تحزب، سنجد إن الكتاب المقدس نفسه يفرق تماماً بين الأصنام الوثنية وبين الأيقونات والصور المقدسة التي تظهر مجد الله وعمله في قديسيه..
في هذا المقال ، لنا مرجعية بالآيات والشواهد على هذه الشبهات خطوة بخطوة.
أولاً: هل الله منع عمل “أي صورة أو تمثال” بشكل مطلق؟
القس نسيم يستند لآية في الوصايا العشر بتقول: “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَّا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ…” (خروج الإصحاح ٢٠ الآية ٤).
الرد:
لو كان المنع “مطلق” لكل الصور و التماثيل، سيصبح الأمر أننا نصف الله نفسه بالتناقض (حاشا لله)! لأن الله نفسه في نفس السفر ونفس التوقيت، أمر موسى النبي بنحت تماثيل وصور داخل خيمة الاجتماع (الذي هو بيت الله يهوه).
الكاروبيم فوق تابوت العهد: قال الرب لموسى: “وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى طَرَفَيِ الْغِطَاءِ” (خروج الإصحاح ٢٥ الآية ٨). الكاروبيم هم ملائكة (يعني مما في السماء من فوق)، ومع ذلك أمر الله بنحتهم!
الحية النحاسية: لما الشعب غلط، ربنا قال لموسى: “اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا” (سفر العدد الإصحاح ٢١ الآية ٨). و هذه كانت تمثال، وكانت وسيلة للشفاء ورمز للصليب.
هيكل سليمان: لما سليمان بنى الهيكل، ملأه صور وتماثيل ملائكة، ونخيل، وزهور منفتحة، والكتاب بيقول إن “مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ” (ملوك الأول الإصحاح٨ الآيتين ١٠-١١). الله يهوه لم يرفض الصور دي بل قدّس البيت.
المنع في الوصية: كان لـ “الأصنام الوثنية” التي تُعمل لكي يتعبد لها البشر كآلهة بديلة للرب (“لا تسجد لهن ولا تعبدهن”). الأيقونة القبطية أو صور القديسين ليست آلهة، و ليست للعبادة ، بل هي مجرد “وسيلة إيضاح” وسيرة حية تذكرنا بأناس عاشوا مع ربنا.
ثانياً: فرّق بين “العبادة” و”الإكرام”
القس نسيم يخلط بين العبادة وهي لله وحده، وبين الإكرام والتقدير وهو للقديسين و المؤمنين.
الله ذاته يكرمهم، فيقول: “لأَنِّي أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي” (صموئيل الأول إصحاح ٢ الآية ٣٠). فإذا كان ربنا يكرمهم، فهل يليق أن نهينهم و نقطع صورهم.
وفي سفر الأمثال: “ذِكْرُ الصِّدِّيقِ لِلْبَرَكَةِ” (سفر الأمثال: الاصحاح ١٠ الآية ٧ ). حينما نضع صورتهم .. حينما نقتني منحوتاتهم .. نتذكر سيرتهم لنتبارك ونتشبه بهم في إقتدائهم بالسيد المسيح.
ثالثاً: بدعة “صورة الوحش” وعلاقتها بالقديسين
يقول القس نسيم على صور القديسين إنها “صورة الوحش” المذكورة في سفر الرؤيا، وهذا قصور شديد في فهم وتفسير السفر الكشفي.
صورة الوحش في سفر الرؤيا (رؤيا : إصحاح ١٣ الآية ١٤) هي صورة ضد المسيح Antichrist، وهو شخص شرير هيطلب من الناس تعبده وتترك عبادة الله الحقيقي.
أما القديسون، فهم الناس الذين غلبوا الوحش وصورته! الكتاب بيقول عنهم: “وَرَأَيْتُ كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ، وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ وَسِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ، مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ” (سفر الرؤيا الإصحاح ١٥ الآية ٢)
فكيف نخلط بين الغالبين (القديسين) وبين المهزوم (الوحش وصورته)؟
صور الشهداء (مثل مارجرجس ومارمينا وأبو سيفين) والقديسين (مثل الأنبا أنطونيوس و الأنبا بولا والبابا كيرلس) هي صور لشهداء رفضوا الإنحناء للأصنام وللوحش في زمانهم وقبلوا الموت حباً في المسيح .. وصور لقديسين أفنوا حياتهم في خدمة إسم المسيح لكي يكون لإسمه كل المجد و الكرامة و التقديس.
رابعاً: التجسد الإلهي غيّر المفهوم:
في العهد القديم، الله لم تكن له صورة مرئية و لأجل ذلك قال للشعب: “فَاحْتَفِظُوا جِدًّا لأَنْفُسِكُمْ. فَإِنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً مَّا يَوْمَ كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ” (سفر التثنية الإصحاح٤ الآية ١٥).
لكن في العهد الجديد، الله ظهر في الجسد .. غير المنظور صار منظورا و غير المتجسد تجسد و غير المرئي صار مرئيا ! القديس بولس يقول عن السيد المسيح: “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ” (كولوسي الإصحاح ١ الآية ١٥). وبما إن المسيح أخد جسد حقيقي، فأصبح من حقنا أن نرسمه ونرسم قديسيه الذين اتحدوا به وبقوا شركاء الطبيعة الإلهية (بطرس الثانية الإصحاح ١ الآية ٤)، وصاروا هم نفسهم “أيقونات حية” للمسيح.
خامساً: إهانة الصورة هي إهانة للأصل

في العرف الإنساني والقانوني، لو أمسك احد الأشخاص بصورة رئيس الدولة أو ملكها وقطعها و ألقاها في سلة المهملات، سيتم محاكمته بتهمة إهانة رمز الدولة. ليه؟ لأن كرامة الصورة بتعود للأصل.
حينما نكرم صورة القديس، نحن نكرم عمل النعمة الإلهية التي أثمرت في هذا الشخص . ولما يتجاسر أحد بتقطيع صورة القديسين و الشهداء و إلقائها في القمامة، فهو يهين الشخص الذى كرمه الله ومجّده في السماء.
وأذكر القس نسيم بآية مهمة جداً قالها السيد المسيح لتلاميذه وقديسيه: “الَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (لوقا الإصحاح ١٠ الآية ١٦). رمي صورهم في سلة القمامة هو نوع من الإهانة التي تمس شخص المسيح ذاته.
كلمة أخيرة اوجهها للقس نسيم:
يا أخي الحبيب، الغيرة على مجد ربنا شيء رائع، لكن لابد أن تكون بفهم كتابي متكامل وليس بآية واحدة مقطوعة من سياقها.
الكنيسة من القرن الأول إستخدمت الفن والأيقونات لتعليم الأميين وتذكير المؤمنين بسير الأبرار (رسالة العبرانيين الإصحاح ١٣ الآية ٧).
تقطيعك للصور ليس إكراما لله ، بل علي النقيض، يجرح مشاعر إخوتك في المسيح ويقلل من إكرام أبطال الإيمان الذين ضحوا بحياتهم لأجل أن يصير الإنجيل بين يديك الآن ومنهم الشهيد العظيم مارمرقس الإنجيلي البشير الذي تقطع صورته كما هو مرفق .. لولاه لما عرفت الإيمان المسيحي فهل بفعلتك أكرمت الذين أكرموا الرب؟.
أصلي إن يزيل الله الغشاوة من علي عينيك و أن ينير عقلك و قلبك لتر عمق وجمال وعظمة الكنسية و مجد الله في قديسيه.
