
تقرير هند محمد
وداعا الفنان القدير “عبد الرحمن أبو زهرة”..

ما أن رحل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة عن عالمنا حتى خيم الحزن على كل من عاصره خلال رحلته الفنية الكبيرة والممتدة لسنوات قدم فيها أدواراً لا تُنسى، لعل أبرزها دوره فى مسلسل لن أعيش فى جلباب أبي، والذى قدم فيه دور المعلم سردينة باحترافية شديدة جعلته من وجهة نظر كثيرين بمثابة أشهر معلم فى تاريخ الدراما المصرية.
برحيل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة عن دنيانا تُطوى صفحة كبرى من صفحات الفن الملتزم الذي يُعلي من شأن الرسالة الاجتماعية والتربوية للتمثيل على حساب الترفيه أو الربح، كما يفتقد نجوم المسرح على مختلف أجيالهم “أباهم الروحي” الذي كان بمثابة قدورة ومصدر إلهام.
السيرة الذاتية
ولد عبد الرحمن عبد الرحمن محمود أبو زهرة في 8 مارس/ آذار 1934 بمدينة دمياط، ونشأ في بيئة مصرية أصيلة صقلت لغته العربية ومخارج حروفه، وهو ما سيصبح لاحقًا أحد أهم أسلحته الفنية.
عاش عبد الرحمن أبو زهرة طفولة هادئة، وكان معروفاً بخجله الشديد واهتمامه بالدراسة والتفوق العلمي. ولم يكن التمثيل ضمن خططه المبكرة، حتى حصل خلال المرحلة الثانوية على الميدالية الذهبية في التمثيل، وهي اللحظة التي شكلت نقطة تحول في حياته.
كما تحدث في لقاءاته عن خوفه من الامتحانات الشفوية بسبب ارتباكه أمام المدرسين، في حين كان شديد التميز في اللغة العربية، متأثراً بوالده الذي عمل مدرساً للمادة نفسها وغرس داخله حب اللغة.
وكان مدرس اللغة العربية أول من آمن بموهبته، وشجعه على التقدم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية. وبحسب ما رواه أبو زهرة في لقاءات تلفزيونية، فقد التحق بالمعهد من دون علم أسرته، خاصة أن شقيقيه كانا يتكفلان بالإنفاق عليه بعد وفاة والديه.
تخرج أبوزهرة فى معهد الفنون المسرحية عام 1958 ورغم شغفه بالفن، عمل موظفاً في وزارة الدفاع (الحربية آنذاك)، ثم عين ممثلًا فى المسرح القومى عام 1959 ، الذي شهد انطلاقته الحقيقية ، وكانت أول أعماله المسرحية “عودة الشباب” للأديب الكبير توفيق الحكيم.
سماته الفنية
تميزت بداياته بالجدية الشديدة والالتزام بمنهج الأداء الأكاديمي، لكنه سرعان ما أثبت أن الممثل المتمكن هو من يمتلك كذلك الروح العفوية التلقائية بهدف تطويع أدواته لتناسب طبيعة كل دور، سواء كان تراجيديًا كلاسيكيًا أو كوميديًا شعبيًا.
امتلك حضورًا طاغيًا عبر ملامح تدخل القلب سريعا وعينين تعبران عما يعجز اللسان عن قوله، بالإضافة إلى نبرة صوت تحمل هيبة الوقار وخفة ظل لافتة.
عاش طوال حياته فنانا يرفض الابتذال ويختار أدواره بعناية، يؤمن بأن الفن رسالة تهذيب للنفس قبل أن يكون وسيلة للترفيه، على نحو جعل اسمه مرادفًا للجودة والإبداع الرفيع.
وبرز أبو زهرة في تقديم الشخصيات المُركّبة ذات الحضور القوي، رغم تأكيده الدائم على حبه للكوميديا، معتبراً أن خفة الظل جزء من شخصيته الإنسانية قبل أن تكون جزءاً من أدائه الفني، وكان يعزو ذلك إلى تأثير والدته في تكوين شخصيته.
لم يحصر نفسه يومًا في إطار الرجل العجوز أو الأب، بل تنوعت أدواره لتشمل الشرير المتسلط، والمثقف المنكسر، والجد الحنون، ما حافظ على تجدد نجوميته رغم تقدم العمر.
كما تألق في أدوار تاريخية ودينية معقدة، حيث كانت لغته العربية الفصحى المتقنة ومخارج حروفه السليمة تجعله الخيار الأول للمخرجين في أعمال مثل “عمر بن عبد العزيز” و”سقوط الخلافة”.
بداياته في المسرح
بدأ أبو زهرة مشواره المسرحي من خلال مسرحية “عودة الشباب” لتوفيق الحكيم. وعُرف بانضباطه الشديد واعتماده الكامل على فهم الشخصية والتعايش معها نفسياً، وكان يقول إنه لا يدخل البروفات أو التصوير وبيده ورقة.
ترك أبو زهرة بصمة واضحة في المسرح المصري والعربي، ومن أبرز محطاته بطولة مسرحية “بداية ونهاية” عام 1959، المأخوذة عن رواية نجيب محفوظ، والتي حقق من خلالها نجاحاً لافتاً، وبعدها فى مسرحية “المحروسة” الذى قدم بطولتها بعد وفاة بطلها صلاح سرحان، واستمر فى العمل بالمسرح حتى وصل عدد مسرحياته إلى 100 مسرحية.
كما شارك في عدد من المسرحيات المهمة، من بينها “ياسين وبهية” و”الحسين ثائراً”.
ويُعد دوره في مسرحية “زهرة الصبار” عام 1967 من العلامات الفارقة في مشواره الفني، بحسب ما ذكر في لقاءات تلفزيونية سابقة. وشارك في بطولتها إلى جانب سناء جميل وماجدة الخطيب، بينما اقتُبست عن نص فرنسي للكاتبين “بالييه وجريدي”، وقام بتمصيرها وإخراجها كمال ياسين، فيما كتب الحوار يوسف إدريس.
أعماله الفنية
انطلق عبد الرحمن أبو زهرة فى عالم السينما والدراما وشارك فى العديد من الأعمال، ففى السينما قدم أفلام “اعترافات امرأة”، “الاختيار”، “الشوارع الخلفية”، “بابا آخر من يعلم”، “امرأتان”، “المتوحشة”، “مطاوع وبهية”، “اللعنة”، “ترويض الرجل”، “الحقيقة اسمها سالم”، “النوم فى العسل”، “أرض الخوف”، “حب البنات”، و”ديل السمكة”، و”إنت عمري”، و”الجزيرة”، و”أحلام وسلمان”، “تيتة رهيبة. “
“الحقيبة السوداء” و”بئر الحرمان”.
وفى الدراما التليفزيونية، أشهر مسلسلاته “الهروب”، “لحظة اختيار”، “حكاية الدكتور مسعود”، “المشربية”، “قلب بلا دموع”، “محمد رسول الله”، “رسول الإنسانية”، “صعاليك ولكن شعراء”، “الوسية”، “السقوط فى بئر سبع”، “الزينى بركات”، “لن أعيش فى جلباب أبي” الذى قدم فيه واحداً من أبرز أدواره والذى ما زال عالقاً مع الجمهور وعلى السوشيال ميديا حتى وقتنا هذا.
إضافة إلى مشاركة عبد الرحمن أبو زهرة فى مسلسلات “الحاوى”، “سنوات الغضب”، “السيرة الهلالية”، “مغامرات القرن القادم”، “نحن لا نزرع الشوك”، “جمهورية زفتى”، “السيرة الهلالية “، و”لما التعلب فات”، “أوان الورد”، “حارة المعز”، “جحا المصري”، “أميرة فى عابدین”، “العمة نور”، و”الطارق”، و”أيامنا”، و”الدم والنار”،”مشوار امرأة”، “العميل 1001″، “المصراوية”، “الملك فاروق”، “من أطلق الرصاص على هند علام”، و”أنا قلبى دليلي”، “سقوط الخلافة”، و”ملكة فى المنفى”، و”القطة العميا”، و”الجماعة”.
تميز الفنان عبد الرحمن أبو زهرة في أدواره التلفزيونية، وخاصة تلك المتعلقة بالشخصيات التاريخية، ومن أبرزها دوره في تجسيد شخصية “الحجاج بن يوسف الثقفي” في مسلسل “عمر بن عبد العزيز” مع الفنان نور الشريف عام 1994. وقال الفنان الراحل إن هذا الدور هو الأقرب إلى قلبه، لما حمله من تعقيد نفسي وثقل تاريخي وتحدٍ تمثيلي.
وقدّم أيضاً شخصية “إبليس” في مسلسل “محمد رسول الله”، وشخصية “أبو لهب” في مسلسل “صدق وعده”.
المعلم سردينة أبرز أدواره التليفزيونية
قدّم أبو زهرة ثنائية لافتة أخرى مع الفنان نور الشريف من خلال شخصية “إبراهيم سردينة” في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” عام 1996، وهو عمل اجتماعي مأخوذ عن رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، بسيناريو وحوار مصطفى محرم.
وجسّد أبو زهرة في المسلسل دور المعلم الشعبي الحكيم ،السند والناصح، الذي دعم بطل العمل عبد الغفور البرعي (نور الشريف) منذ بداياته في التجارة. وقد تحولت هذه الشخصية إلى أيقونة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لا يزال الجمهور يستعيد نصائحه والحِكم والأمثال التي رددها عن العمل والحياة والعلاقات.
الرسوم المتحركة
لم يقتصر حضور أبو زهرة على المسرح والتلفزيون، بل ترك أثراً واسعاً في عالم الأداء الصوتي، مستفيداً من أدواته الصوتية المميزة وقدرته على المزج بين القوة والمرونة التعبيرية.
وتعد تجربة عبد الرحمن أبو زهرة مع ديزنى من أبرز التجارب خلال مشواره الفني، وبرز ذلك بوضوح في أدائه لشخصيات عالم ديزني، مثل “سكار” في النسخة العربية من فيلم “الأسد الملك”، حيث قدّم الشخصية بصوت حمل سخرية لاذعة ونبرة تهديد خافتة، ما جعلها أكثر حضوراً لدى المشاهد العربي.
كما جسّد شخصية “جعفر” في “علاء الدين”، معبّراً بمهارة عن طموح الشخصية وسعيها إلى السلطة.
وقال أبو زهرة في أحد اللقاءات إن شركة “ديزني” اعتبرته من أفضل من قدّموا شخصية الأسد “سكار” في النسخ المترجمة حول العالم، ومنحته مكافأة إضافية قدرها ألفا دولار تقديراً لأدائه.
وفي السينما المصرية، شارك في فيلم الرسوم المتحركة “الفارس والأميرة”، مجسداً شخصية المشعوذ “أبو الرياح”.
حلم البطولة
رغم موهبته الكبيرة، لم يحصل أبو زهرة على أدوار البطولة المطلقة كثيراً، وكان يرى أن الحظ لم ينصفه في هذا الجانب، لكنه لم يكن يرى في ترتيب الأسماء أو البطولة المطلقة معياراً حقيقياً لقيمة الفنان، بقدر ما هو تأثير الشخصية وبقاؤها في ذاكرة الجمهور.
وفي السنوات الأخيرة، عبّر أكثر من مرة عن حزنه بسبب قلة الأعمال المعروضة عليه، وقال في أحد تصريحاته: “اعتبروني وجهاً جديداً”، وهو ما أثار تفاعلاً واسعاً بين جمهوره.
ورغم ذلك، عاد عام 2021 للمشاركة في عدد من الأعمال، بينها “هجمة مرتدة”، و”موضوع عائلي”، و”ستات بيت المعادي”، قبل أن يعلن نجله اعتزاله الفن عام 2023.
الجوائز والتكريمات
- تكريم شركة ديزني العالمية (Disney): أرسلت الشركة العالمية شهادة تكريم خاصة له، واعتبرته أفضل مؤدي صوتي لشخصية الأسد الشرير “سكار” في النسخة العربية من فيلم “الأسد الملك” على مستوى العالم، مشيدة بقدرته على جعل الشخصية أكثر إبهاراً.
- تكريم أيام قرطاج المسرحية (تونس): حظي بتقدير كبير في تونس، وتم تكريمه في مهرجان قرطاج باعتباره واحداً من أهم أعلام المسرح العربي.
- مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي: تم تكريمه في دورته الثالثة (نوفمبر 2025) تقديراً لمسيرته الحافلة وإثراء وجدان الأجيال عبر أعماله الخالدة.]
- مهرجان المسرح العربي: كرّمته الهيئة العربية للمسرح نظير عطائه المستمر للمسرح المصري .
- حصل الفنان القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة على جائزة الدولة التقديرية في الفنون من مصر، بالإضافة إلى تقليده وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
متاعب صحية
بدأت متاعب عبد الرحمن أبو زهرة الصحية بإصابته بفيروس كورونا، ودخوله المستشفى للعزل، قبل أن تتطور حالته لاحقاً إلى مضاعفات استدعت تدخلاً جراحياً.
وشهدت حالته تدهوراً ملحوظاً منذ عيد الفطر الماضي، مع معاناته من مشكلات معقدة في الرئة، ونقص في الأكسجين، وصعوبة في التنفس، ما استدعى إخضاعه لأجهزة التنفس الصناعي.
الرئيس السيسي ينعي الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة
قدم الرئيس عبد الفتاح السيسي خالص العزاء في وفاة الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة.
وكتب الرئيس السيسي عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك:” بسم الله الرحمن الرحيم ..خالص العزاء في وفاة الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة الذي قدم اعمالاً فنية قيمة ومميزة في المسرح والسينما والتليفزيون..تغمّده الله بالرحمة والإحسان، وأصدق المواساة لأهله ومحبيه.
وصيته
مر جثمان أبو زهرة من أمام المسرح القومي بوسط مدينة القاهرة وذلك تنفيذاً لوصيته، قبل تشييع جثمانه عقب صلاة الظهر من مسجد الشرطة بمدنية الشيخ زايد، غربي القاهرة.
وكان أبو زهرة قد أوصى بأن يمر جثمانه بالمسرح القومي لتعلقه الشديد بالمسرح، كما أوصى أن يمر من أمام مسجد الإمام الحسين.
الرحيل
كان الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة قد غيبه الموت مساء الاثنين 11 مايو/أيار، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد صراع مع المرض، بحسب ما أعلنه نجله أحمد أبو زهرة عبر حسابه على موقع “فيسبوك”.








