
بقلم بهجت العبيدي
يتجلى الفكر التنويري في أبهى صوره عندما يمتلك المفكر الشجاعة والقدرة على تفكيك المفاهيم الموروثة وإعادة ربطها بجوهرها الأصلي النقي، وهذا تماما ما يلمسه القارئ في الطرح الفكري العميق والجرئ الذي يقدمه المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله الذي يمثل صرخة وعي في جبين الإنسانية والأمة الإسلامية.
ينطلق الأستاذ الحمادي في قراءته من رؤية متبصرة ترى في القرآن الكريم وآياته المحكمات خارطة طريق متكاملة لحياة الإنسان، متجاوزا بذلك التفسيرات التقليدية التي حصرت الدين في أطر ضيقة، ليحلق به في آفاق المقاصد الإلهية الغائية التي تستهدف تكريم الإنسان وإرساء قيم الحق والعدل والسلام.
يبدأ أستاذي الجليل رحلته التحليلية بوقفة تأملية لافتة عند قول الله سبحانه وتعالى: “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”، ليطرح مفهوما تجديديا يصحح به الفهم السائد؛ فالله جل وعلا غني عن العالمين ولا يحتاج إلى بشر لينصروا دينه، بل إن نصرة الله الحقيقية ـ كما يبسطها الأستاذ الحمادي بكلمات رشيقة بليغة ـ هي أن ينصر الإنسان الله في ذاته ونفسه أولا وذلك من خلال الالتزام بتشريعاته ومنهاجه في كل تفاصيل حياته اليومية. إنها دعوة صريحة للانتصار في المعركة الأزلية ضد نزغات الشيطان الذي يحرض على المعاصي والفحشاء، وبذلك يتحول مفهوم النصرة من شعار حماسي أو صراع خارجي إلى سلوك أخلاقي وتقويم ذاتي مستمر يجعل من الفرد لبنة أساسية في بناء مجتمع صالح وآمن.
وفي شجاعة فكرية نادرة – يتميز بها أستاذنا الجليل – تفصل بين قداسة النص الإلهي وبشرية الممارسات التاريخية، يستعرض المفكر الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي الغاية من تكليف الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بحمل الرسالة، مؤكدا أنها كانت رحمة مهداة للعالمين تستهدف تحقيق العيش الكريم والآمن للمجتمعات، وحقن الدماء، وحماية المستضعفين من النساء والأطفال، لاسيما بعد قرون من الجاهلية والاقتتال البشري. غير أن الكاتب لا يتردد في وضع إصبعه على الجرح التاريخي الغائر، موضحا كيف انحرفت المسارات بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حين استسلم الكثيرون لأطماع الدنيا ونزعات الأنانية والمصالح الشخصية، مما هون عليهم سفك دماء الأبرياء. وهنا يفجر الكاتب قنبلة فكرية بوصفه ما يُسمى تاريخيا بـ”الفتوحات الإسلامية” بأنها كانت في كثير من جوانبها جريمة كاملة الأركان تخالف التشريع الإلهي الذي صان حرية الاعتقاد المطلقة، مستشهدا بآيات قاطعة مثل قوله تعالى: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، وقوله سبحانه: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ليؤكد أن الإسلام بريء من أي إكراه أو توسع قائم على سلب حريات البشر.
ويمضي الأستاذ الحمادي في سرديته التحليلية ليختزل أزمة الأمة في ثلاث آيات قرآنية محكمات شكلت دستورا ضائعا للنجاة، وهي الآيات التي تأمر بالاعتصام والوحدة، والتعاون على البر والتقوى، وتحذر بشدة من التنازع والفرقة التي تؤدي حتما إلى الفشل وضياع الهيبة حيث يقول نصا في مقاله “القرآن وآياته خارطة طريق لحياة الإنسان” : وقد أمر الله المسلمين بقوله: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” (آل عمران: 103)، ثم قال: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2)، وحذّرهم بقوله: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” (الأنفال: 46).
ويطرح المفكر تساؤلا مؤلما يلامس واقعنا المعاصر حول مدى التزام المسلمين بهذا الدستور الإلهي لبناء الدولة الفاضلة القائمة على الرأفة والمودة ومساعدة المحتاجين دون استعلاء. وينتهي الكاتب إلى تشخيص دقيق لمرض “اغتراب القرآن”، حيث يرى بمرارة أن الإسلام ظل محفوظا في سطور المصحف بينما غاب تماما عن التطبيق العملي على الأرض، بعد أن تحول القرآن الكريم في حياة الناس إلى مجرد كلمات تُتلى تبركا في الاحتفالات أو عند دفن الأموات ثم تُهجر في الأدراج، متناسين وظيفته الحيوية الأساسية التي نص عليها القرآن نفسه في سورة يس بأن يكون نذيرا ودليلا “لمن كان حيا”. إن مقال المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي هو دعوة مخلصة لبعث الحياة في النص القرآني، والتمسك به بيقين صادق كخارطة طريق وحيدة تضمن للإنسان سعادة الدنيا وجنات النعيم في الآخرة، وتنقذه من ظلمات الجحيم والشقاء.

