
لا تقتصر آثار الوحدة والعزلة الاجتماعية على الشعور بالحزن أو ضعف التواصل مع الآخرين، بل قد تمتد إلى الصحة الجسدية والنفسية على المدى الطويل. وكشفت دراسة أميركية جديدة أن الحالتين ترتبطان بانخفاض عدد السنوات التي يعيشها الإنسان دون الإصابة بأمراض أو اضطرابات صحية.
ونُشرت الدراسة في دورية «Nature Communications»، وأجراها باحثون من كلية سيليا سكوت ويذرهيد للصحة العامة والطب الاستوائي بجامعة تولين الأميركية، بقيادة لو تشي، أستاذ الصحة العامة بالجامعة.
وقدّرت الدراسة أن الخسارة في سنوات العمر الخالية من الاضطرابات النفسية قد تقترب من ست سنوات لدى بعض الفئات، ما يسلط الضوء على أهمية التعامل مع الوحدة والعزلة باعتبارهما من قضايا الصحة العامة.
ما الفرق بين الوحدة والعزلة الاجتماعية؟
تشير العزلة الاجتماعية إلى نقص العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بصورة موضوعية، بينما تعكس الوحدة شعورًا شخصيًا بعدم الرضا عن العلاقات أو افتقاد التواصل العاطفي، حتى لو كان الشخص محاطًا بالآخرين.
ويساعد التمييز بين الحالتين على فهم اختلاف تأثيراتهما الصحية المحتملة، إذ لا تعني كثرة العلاقات بالضرورة غياب الشعور بالوحدة.
الرجال أكثر تأثرًا من الناحية النفسية
أظهرت النتائج اختلافات بين الرجال والنساء في الخسائر المقدرة لسنوات الحياة الخالية من الأمراض المرتبطة بالوحدة والعزلة.
ففيما يتعلق بالصحة الجسدية، ارتبطت الوحدة والعزلة معًا بخسارة نحو 2.4 سنة من العمر الخالي من الأمراض لدى النساء، مقابل 1.7 سنة لدى الرجال.
أما على مستوى الصحة النفسية، فقد بلغت الخسارة المقدرة نحو 3.7 سنة لدى النساء و5.8 سنة لدى الرجال، ما يشير إلى تأثر الرجال بدرجة أكبر وفقًا لمؤشرات الدراسة.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الرجال أكثر تأثرًا من النساء، بل تعكس الفروق التي رصدها الباحثون ضمن البيانات التي حللوها.
هل يساعد نمط الحياة الصحي في تقليل المخاطر؟
درس الباحثون أيضًا العلاقة بين العادات اليومية والصحة، بما يشمل النظام الغذائي والنشاط البدني والنوم الكافي وتجنب التدخين.
وأظهرت النتائج أن اتباع نمط حياة صحي ارتبط بانخفاض الخسارة المقدرة في سنوات العمر الخالية من الأمراض لدى الأشخاص الذين يعانون العزلة الاجتماعية.
لكن النتائج لم تُظهر انخفاضًا مماثلًا في المخاطر الإضافية المرتبطة بالشعور بالوحدة، ما يشير إلى أن تحسين العادات اليومية، رغم أهميته، قد لا يكون كافيًا وحده لتلبية الاحتياجات العاطفية والاجتماعية.
هل تعني النتائج أن الوحدة تقصر العمر؟
لا تثبت الدراسة أن الوحدة أو العزلة الاجتماعية تسببان مباشرة فقدان سنوات من الحياة الصحية، إذ اعتمدت على رصد الارتباطات بين هذه العوامل، وليس إثبات علاقة سببية مباشرة.
ويخطط فريق البحث لإجراء دراسات إضافية، من بينها تجارب سريرية، لفهم هذه العلاقة بصورة أدق وتحديد التدخلات الأكثر فاعلية.
وتؤكد النتائج أهمية الجمع بين تحسين نمط الحياة وتعزيز الروابط الاجتماعية وتوفير الدعم النفسي، مع الانتباه إلى أن الشعور بالوحدة قد يستمر حتى لدى الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية ظاهرة.








