
ابراهيم الديب
يجلس وحده في هدوء وسكون داخلي لا يقل عن هدوء البيت على غير المعتاد، في مثل هذا التوقيت من اليوم ، لقيام زوجته بإنجاز بعض الأعمال على سطح البيت ،ونفحات يرسلها قدوم الربيع كتيار منعش يداعب وجهه في خدر لذيذ فحثه صفاء ذهنه لممارسة طقسا محببا إلى نفسه ما لبثت بتحوله لرغبة حثيثة .
رشف : آخر ما تبقي من كوب القهوة دفعة واحدة ونهض متجها للمكتبة وتناول منها كتاباً من المجموعة المرشحة للقراءة لتوظيف : ما يمر به البيت من هدوء وسكون في القراءة فسمع فجأة: ضجيجا وصراخا تبخر معه سكون البيت وهدوءه ليذهب ادراج الرياح؛ تأكد حينها أنها إحدى غضبات زوجته ، ففي هذه الحالة، تتحرك ذهاباً وجيئة بعصبية مضطربة النفس لا يصدق من يراقب حركتها أن بداخل رأسها عقل تستخدمه، فحوى ثورتها: اعتراضها على الدنيا التي لم تنل إلا شقاء متواصلاً، لتبدأ بسبب ما تعانيه من حياتها البائسة توسلا الله بقبض روحها ،رغبة الخلاص منها بموت عاجل .
ظلت في عنفوان غضبها وثورتها: تسئل الدنيا ونفسها فهي من تسأل وتجيب في نفس الوقت ثم مبدية اعتراض بعض الاجابات لكونها لا ترضى عما خلصت إليه من اجابة على ؛ اسئلتها الأشد منها ثورة وجنونا, فبدت وكأنها عدة نساء مجتمعة في حالة هيستيريا ، أما زوجها فيلوذ بصمت عميق يتابع ثورتها بعد أن نحى الكتاب جانبا ، لتندفع فيه كما توقع وينتظر منها، بعصيبة تأكل خلال حديثها إليه نصف كلماتها او ثلثيها ليس استطاعة عضو بارز من أعضاء مجمع اللغة العربية الوقوف على سر ما تتفوه به، فبدا ما يصدر عنها اقرب لوصف القرآن الكريم للمرأة أثناء غضبها: ((في الخصام؛ لا تكاد تبين )) و بصوت جهوري أين نقود دروس اولادك الخصوصية ،ومحصل الغاز، اين السباك البلاعة لها أيام طافحة ،أين طلبات البيت من أرز وبصل ؟ أين…. و …. الزوج الذي أخذ يتحسس جيبه شبه الخالي يلوذ بالصمت .
ليطوى تحت قدميه مباشرة درج السلم بسرعة ورشاقة ، ليشعر حينها وكأنه عاد لسابق عهده فتى صغيرا فلاحقته الزوجة من الشرفة عندما أصبح أسفل البيت وألقت إليه كارت الكهرباء واخبرته ، أنه فصل ،أثناء نزوله الدرج ثم نمى لمسامعه مجموعة من طلبات جديدة اثناء تحركه وبعد الابتعاد مسافة قصيرة عن البيت، لم يصله منها إلا حروف مقطعة، لبعثره الأثير حديثها في فضاء الله الفسيح تجوب شكوتها وثورتها الافاق،
بعد افراغ جام غضبها فيه ،و نعته بأسوأ الصفات ، لكونه أفشل زوج في الوجود، لتبدأ في محاكمته بعد استحضاره ذهنيا تكيل له اتهامات وشرور لا حصر لها تعجز دولة شريرة عن إنجازها ملخصها أن زوجها سبب فساد أرض الله وشقاء البشر وهي أول ضحاياه ،من يطلع عليها أثناء سبه يظن لا محالة دخولها في نوبة صرع بين لحظة وأخرى ،وبعد فترة من انتهاء المحاكمة يبدأ شئء من هدوء تتسلل الى نفسها وبعض من سكينة تحط في صدرها .
وتبدأ باستعادة نفسها الأخرى السمحة بالتدريج ،وتداهمها فكرة مفادها، أن الموضوع لم يكن يستحق كل هذه الثورة والغضب على زوجها وأبو اولادها وشريك حياتها ،ولا يحمل كل هذا السوء والضغينة بداخله ؛ ثم صمت منها ولوم لنفسها مشوب بشيء من حكمة وبعض عقل، سائلة نفسها لماذا لم يعد زوجها حتى اللحظة للبيت وما سبب تأخره فبدأ ،يساورها عليه خوفاً وقلقا، لتصبح نفسها بسببه ذلك نهبا لوساوس ثم بدأت في انتاج سيناريوهات أكثرها تفاؤلاً سيء وهو ذهاب زوجها للمأذون لتحديد موعد طلاقها ، فالتمست له العذر إن فعل، فأخذ بقسوة شديدة بجلد ذاتها ، معترفة بخطئها :سقطت من عينيها عبرات ، بعد استدعاء ماض جميل ناصع البياض له ، فنعم الزوج رجلها ، فهي الملومة إن هجرها ليتزوج بأخرى.
يعود بعده الزوج مسرعاً يحمل ما استطاع إليه سبيلاً من طلباتها، بعد تحوله من اسوأ رجل في الوجود لضحية فتقبل عليه مستقبلة تحمل عنه ما يحمل فرحة مبتسمة هاشة في وجه ، وكأنها بدلت بامرأة اخرى ، فتطلب منه عفواً عن خطئها فتنال من زوجها نظرة ملئها عطفاً وشفقة وحنانا تقرأ منها زوجته ؛ صفحا وعفوا، دون ينطق حرفا واحداً، منذ نزولها من على سطح البيت فيتناول الكتاب مرة أخرى ويبدأ في القراءة.
