
بقلم دكتورة / مريم المهدي
مستقبل تشكل النظام العالمي الجديد وتغير موازين القوة :
ان التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لها اكبر الاثر على مفاهيم السيادة والأمن العالمي . ان مستقبل النظام العالمي لن يخرج عن الاتجاهات الثلاثة المحتملة : استمرار الهيمنة الأمريكية، نظام متعدد الأقطاب، أو الفوضى العالمية.
* يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية النظام العالمي وتوازنات القوى الدولية، تتجاوز في تأثيرها وعمقها التغيرات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. وكما يشير هنري كيسنجر (2014) في كتابه “النظام العالمي”: “نحن نعيش في فترة تاريخية يتم فيها إعادة تشكيل جذرية للنظام العالمي، حيث تتزامن ال أزمة في مفهوم النظام ذاته مع تحولات في موازين القوى العالمية” . هذه التحولات تتجلى في صعود قوى عالمية جديدة، وتراجع نسبي للهيمنة الغربية، وتغيرات جذرية في طبيعة القوة ومصادرها، وتحديات غير مسبوقة تواجه المؤسسات الدولية التقليدية.
أن العالم يشهد ليس فقط توزيعاً جديداً للقوة ، بل تحولاً في طبيعة القوة ذاتها، من القوة العسكرية التقليدية إلى أشكال أكثر تعقيداً وتطورا من القوة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية مما يطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام العالمي وآليات إدارته وقواعده وقيمه ومبادئه الأساسية.
* – صعود القوى العالمية الجديدة : شهد النظام العالمي المعاصر صعوداً متسارعاً لقوى عالمية جديدة ، وعلى رأسها ( الصين ) التي تمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية. إلى جانب الصين ، تبرز (روسيا) كقوة عالمية تسعى لاستعادة نفوذها ، أن روسيا تحت قيادة ( بوتين ) تسعى لإعادة تأكيد مكانتها كقوة عظمى من خلال استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية النشطة والتأثير الإعلامي . كما تبرز ( الهند ) كقوة صاعدة بثقل ديموغرافي واقتصادي متزايد، إضافة إلى قوى إقليمية مؤثرة مثل البرازيل وتركيا وإيران وجنوب أفريقيا.
* من هذه التحولات يوجد ثمة مخاوف وقلق كبيرين ينتاب الكثير من المراقبين للعلاقات الدولية حول المنحى الذي يتجه إليه العالم في هذه اللحظة الحرجة من عمر الإنسانية، فالكلّ يراهن على أنّ ثمة مخاطر جيوسياسية آخذة في التبلور يومًا بعد يوم؛ بسبب بعض المتغيرات على صعيد بنية النظام الدولي وأطرافه الفاعلة بصفة عامة، والولايات المتحدة بصفة خاصة باعتبارها القوى العظمى التي يتجاوز تأثيرها محيطها الداخلي.
ومن هنا يكون مستقبل التحولات المتوقعة على صعيد بنية النظام الدولي، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات الآتية:
ما مخاطر النزعة القومية الشعبوية التي يتبناها ترامب على الأمن الدولي؟
هل تدخل سياسة التعريفات الجمركية التي فرضها على العالم ضمن سياق الأدوات الشعبوية؟
إلى أي مدى تدفع هذه السياسات الراديكالية التي تنتهجها واشنطن في ضخ الدم والأكسجين اللازمين في جسد المشاريع المناوئة لدى روسيا والصين والتي لا تقل شعبوية عن نظيرتها الأميركية؟
هل انتهى عصر الهيمنة الأميركية وما مساهمة ترامب في الدفع بهذا الاتجاه؟ وما هي خيارات منطقة الشرق الأوسط إزاء ما يجري من متغيرات؟
النزعة القومية بمريكا وحصادها :_ صعود ترامب للمسرح السياسي منذ العام 2016 وإلى اليوم، يمثل تعبيرًا عن تلك النزعة القومية المرتبطة بإحساس غالبية السكان البيض في أميركا بأنّهم في طريقهم لفقدان رأس مالهم الاجتماعي المستند إلى نفوذهم السياسي والاقتصادي، ومن هنا جاءت مساندتهم المطلقة لترامب في الانتخابات الأخيرة، وبالتالي بات يُنظر إلى كل سياساته وأفعاله في هذا السياق الإيديولوجي الضيق. فباتت نزعة ترامب القومية المرتكزة على شعار أميركا أولًا، ذات طابع يميني شعبوي مناهض للهجرة، وصل إلى مرحلة أن أطلق عليه البعض ما يُسمى بـ”القومية البيضاء”، وهنا تجب التفرقة بين ما يسمى بالوطنية الصالحة التي تعني مراعاة مصالح الدولة وأمنها الوطني، وبين تلك الأيديولوجية ذات الطابع العنصري التفوقي. وتاريخيًا يمكن القول إنّ هذه النزعة التفوقية وتصاعدها كانت ضمن الأسباب الرئيسية التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية، وتمثل ذلك في صعود الأنظمة الفاشية في أوروبا، واليابان، مدفوعة بالقومية الشديدة والعدوان المتزايد .
وبإسقاط ذلك على الحالة الترامبية ، فإن شخصية الرئيس ترامب , تستخدم ذات اللغة والتكتيك عبر التلويح بغزو كندا، وغرينلاند، وضم خليج المكسيك وتهجير أهالي غزة ، ويمكن فهم سياسة رفع التعريفة الجمركية كإحدى الأدوات المربكة للتجارة الدولية في هذا السياق الشعبوي الذي ربما قاد لنتائج لا تختلف عن تلك التي قادت العالم لفقدان ما بين 70 إلى 80 مليون نسمة إبان الحرب العالمية الثانية.
ويُمثل سرد ترامب المظالم التاريخية التي تعرضت لها أميركا كأحد أهم الأسباب التي دفعته لاعتماد هذا النوع من الإجراءات الحمائية، امتدادًا لفكرة الشعبوية والنزعة القومية التي ربما قادت لنوع من التصادم بين أميركا وبقية دول العالم في مرحلة ما، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الولايات المتحدة تعد من كبرى الدول المستفيدة من الثروة الاقتصادية التي تراكمت خلال الخمسين عامًا الماضية، خاصةً الطبقة العليا في المجتمع الأميركي، والتي تشمل رجال الأعمال، والسياسيين، والعسكريين، ومن ورائهم المجمع الصناعي العسكري. ومن المتوقع أنّ الحمائية التي ينتهجها ترامب ربما تؤدي إلى تراجع عالمي في الإنتاجية، وزيادة خطر الصراع بين واشنطن وبكين، وبالتالي فإنّ تلك المواجهة المحتملة سيكون لها آثار جيوسياسية خطيرة للغاية، والتي ليس أقلها الدفع بتقوية المشاريع المتصادمة بين القوى الكبرى، وإحداث نوع من التغيير في موازين القوى العالمية.
* صراع المشاريع المتصدمة : إنّ تصاعد النزعة القومية والسعي لتوظيف تلك النزعة في مخاطبة أشواق وأحلام شرائح اجتماعية كبيرة ليس مقصورًا على أميركا ترامب، بل نجدها حالة ماثلة داخل ( روسيا بوتين ) ، وداخل ( الصين وقائدها جين بيج ) الذي يتحكم في كل أمر. وبالتالي فإنّ نزعة ترامب الشعبوية القائمة على تهميش دور المؤسسات المنتخبة وإدارة ظهره للأوروبيين أعداء بوتين ، تضخّ الهواء في رئة المشروع الروسي الذي يتصادم كلية مع فكرة هيمنة أميركا على الشأن الدولي.!!!
وان سياسات واشنطن التي تستهدف ضرب الاقتصاد الصيني ومحاصرة بكين يُمكن أن تتحول إلى محفز وطني يعجل من أمد التصادم المتوقع، وبالتالي فإنّ شعبوية ترامب ونزعته الوطنية القائمة على إلغاء الآخر تُعدان بيئة حاضنة لنمو عالم متعدد الأقطاب وليس قطبًا واحدًا مهيمنًا في ظل تنامي المشاريع المتصادمة.

* نظام عالمي جديد مسرحه الشرق الأوسط :
في هذا السياق ليس بمقدور أي باحث أو أكاديمي معاصر يودّ الحديث عن نظام عالمي جديد أن يتجاوز كتاب “النظام العالمي” لهنري كيسنجر التي صدرت ترجمته العربية في العام 2016 . يرى كيسنجر فيه أن النظام العالمي يتغير بشكل كبير، وأن الولايات المتحدة تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى. وبالتالي أي إجراءات شعبوية أو حمائية لن تفلح في إيقاف عجلة الزمن وحتمية التحول القادم، ويمكن القول إنّ ما يقوم به ترامب هو عملية تسريع للمعادلة القادمة التي ليس فيها طرف واحد مهيمن.
* ولعل أبرز عمليات تسريع فك الانفراد الأميركي التي تطوع دونالد ترامب بفعلها إن كان واعيًا أو لم يكن يعي ذلك ، هو ضرب روح القانون وسيادة المؤسسات والفصل بين السلطات داخل المجتمع الأمريكي وعلوها على الأفراد.!!! فسيادة القانون تُعد إحدى أهم قواعد النظام الأميركي، ومن بين مصادر قوته ، وبات الرجل يسير على خطى الدكتاتوريات المطلقة دون أن توقفه المؤسسات المناط بها القيام بالأدوار الرقابية ولا حتى المحكمة الدستورية العليا .
* أمر آخر هو إدارة ظهره لشركائه الأوروبيين، وابتعاده عن الناتو، وهذا مُبتغى منافسيه الكبار -الصين وروسيا – الذين لم يدفعوا دولارًا واحدًا للوصول لتلك النتيجة التي تكشف ظهر غريمهم الأميركي، بجانب أنّ إعاقة عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) التي أسسها الرئيس جون كينيدي عام 1961، والتي تُعنى بإدارة المساعدات الخارجية للمدنيين، أضاعت فرصة كبيرة كانت تستغلها واشنطن للتأثير على كثير من البلدان في اتجاه تعزيز نفوذها الدولي.
* والنقطة الجديرة بالاهتمام هنا لصناع القرار والباحثين في( الشرق الأوسط )، هو أنّ هذه المنطقة ستكون أحد أهم مسارح التفاعل المفضي لظهور نظام عالمي جديد، وبالمؤشرات السياسية الآنية فإنّ الإقليم غير مؤهل ليكون طرفًا في معادلة التحول القادمة، بل سيكون متأثرًا بما سيجري. وتُعد ملفات مثل طبيعة المشاركات الناشئة بين دول منطقة الشرق الأوسط والصين على الصعيد الاقتصادي ، وملف العلاقات مع إيران وطبيعة الدور الذي سترسمه لنفسها، أو ذلك الذي يُمكن أن يفرض عليها، بجانب القضية الفلسطينية وتداعياتها، فضلًا عن تأمين طرق الملاحة البحرية من الأمور الحاسمة في طريق تشكيل نظام دولي جديد. يمكن القول إنّ مستقبل التحولات المتوقعة على صعيد بنية النظام الدولي، يتجه نحو إرساء دعائم منظومة دولية متعددة الأقطاب ليس فيها طرف مهيمن بل أطراف عديدة أبرزها الولايات المتحدة، والصين وروسيا.
ويعتبر وصول ترامب للسلطة وتصاعد النزعة القومية الشعبوية التي ميزت بداية فترته الرئاسية الثانية ، من بين المتغيرات الرئيسية التي تدفع بقوة نحو إقرار هذه المعادلة الجديدة.
_ ومن المتوقع أن تتصاعد المخاطر الجيوسياسية التي سيشهدها العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص؛ بسبب الصدام المحتمل بين واشنطن وبكين .
ومن المرجح أنّ ( الشرق الأوسط ) وموارده ستكون محط أطماع المتصارعين الكبار في إطار سعيهم لإقرار معادلة الهيمنة القديمة ، أو تفكيك النفوذ ورسم خريطة أخرى جديدة.
