
بقلم . جاكلين جرجس
في مشهد سياسي شديد الاستقطاب وفي قلب منطقة جنوب القوقاز المشتعلة، جاءت الانتخابات البرلمانية الأرمينية لعام 2026 لتمثل أكثر من مجرد اقتراع داخلي؛ بل كانت بمثابة استفتاء شعبي وتاريخي على هوية البلاد المستقبلية. فبين الرغبة في تعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والغرب، ومحاولة الحفاظ على شعرة معاوية مع الحليف الاستراتيجي التقليدي في موسكو، خاض الناخب الأرمني هذه الانتخابات مثقلاً بملفات شائكة تتأرجح بين تحديات السيادة، وإعادة تموضع البلاد جيوسياسياً، والسعي نحو سلام إقليمي مستدام.
وجاءت نتيجة الانتخابات بفوز حزب «العقد المدني» في الانتخابات الأرمنية وسط رسم ملامح المرحلة المقبلة ؛ حقق حزب «العقد المدني» الحاكم في أرمينيا، بقيادة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، فوزًا واضحًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الأحد الماضي ، بحصوله على ما يقارب نصف أصوات الناخبين، مؤكّدًا بذلك مكانته كالقوة السياسية المهيمنة في البلاد.
وبحسب النتائج الأولية التي أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات، حصل الحزب على نحو 49.8% من الأصوات، متقدمًا بفارق مريح على أقرب منافسيه. ويمنح هذا الفوز باشينيان تفويضًا جديدًا في وقت تواجه فيه أرمينيا تحديات سياسية وأمنية وجيوسياسية عميقة.
وقد اعتُبرت هذه الانتخابات من بين الأكثر أهمية في تاريخ أرمينيا الحديث، حيث لم يقتصر التصويت على اختيار حكومة فحسب، بل شكّل أيضًا تحديدًا لمسار البلاد في مرحلة ما بعد خسارة آرتساخ (ناغورنو كاراباخ)، وفي ظل استمرار مفاوضات السلام مع أذربيجان، والتحول التدريجي في توجهات السياسة الخارجية الأرمنية.
ورغم حصول «العقد المدني» على أغلبية برلمانية واضحة، إلا أنه لا يتوقع أن يبلغ عتبة الأغلبية الدستورية اللازمة لإجراء تعديلات دستورية بشكل منفرد. وهذا يعني أنه، رغم احتفاظ الحزب الحاكم بالسيطرة على تشكيل الحكومة وتحديد الأجندة التشريعية، فإن أي تعديلات دستورية ستتطلب توافقًا أوسع أو تعاونًا مع قوى برلمانية أخرى، ما قد يؤثر على وتيرة وحجم الإصلاحات المستقبلية.
وخلال الحملة الانتخابية، دافع رئيس الوزراء باشينيان عن نهج حكومته القائم على السعي إلى تحقيق السلام الإقليمي وتعزيز التعاون مع أوروبا والغرب. واعتبر أن أمن أرمينيا وازدهارها على المدى الطويل يعتمدان على تطبيع العلاقات مع الدول المجاورة، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، وتقليص الاعتماد على الترتيبات الجيوسياسية التقليدية.
في المقابل، ركزت قوى المعارضة حملاتها على انتقاد أداء الحكومة في ملفات الأمن القومي، وخاصة ما يتعلق بالأحداث التي أدت إلى تهجير الأرمن من آرتساخ. واتهمت هذه القوى الحكومة بتقديم تنازلات مفرطة وعدم حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد بشكل كافٍ. ومع ذلك، بقيت المعارضة منقسمة، ولم تتمكن من توحيد صفوفها خلف بديل سياسي قادر على منافسة هيمنة الحزب الحاكم.
وجرى يوم الاقتراع بشكل عام بهدوء، مع مراقبة محلية ودولية للعملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. وأشارت التقييمات الأولية إلى أن الانتخابات كانت تنافسية ومنظمة بشكل جيد، رغم استمرار حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تطبع المشهد السياسي الأرمني في السنوات الأخيرة.
ومن المتوقع أن يعزز هذا الفوز موقع باشينيان على المستويين الداخلي والدولي. وتواجه حكومته الآن تحديات كبيرة، من بينها دفع مفاوضات السلام مع أذربيجان، وإدارة العلاقة المعقدة مع روسيا، ومعالجة القضايا الاقتصادية، والتعامل مع الانقسامات الداخلية في المجتمع الأرمني.
كما تحمل نتائج الانتخابات أبعادًا جيوسياسية مهمة، إذ اعتبرها العديد من المراقبين اختبارًا لمدى دعم الشارع الأرمني للتوجه نحو تعزيز العلاقات مع أوروبا والغرب. وتشير النتائج إلى أن شريحة واسعة من الناخبين لا تزال تؤيد هذا المسار رغم التحديات والجدل المحيط به.
ومع استكمال توزيع المقاعد البرلمانية، سيتحول التركيز من الحملات الانتخابية إلى مرحلة الحكم. وسيكون على البرلمان الجديد التعامل مع ملفات حاسمة ستحدد مستقبل أرمينيا لسنوات قادمة، بما في ذلك تحقيق السلام المستدام، وتعزيز صمود الدولة، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات.
وبهذا الفوز، يدخل رئيس الوزراء باشينيان ولاية جديدة مدعومًا بتفويض شعبي قوي، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل سيتمكن من تحويل هذا التفويض إلى استقرار وتقدم ملموسين في المرحلة المقبلة ؟!.
