
ابراهيم الديب
اضطربت نفس عم صبحي، بل حياته بأكملها بعد ممارسة اولاده ضغطاً عليه ، للتخلص من عربته الكارو التي ينقل عليها للناس اشيائهم ،وعندم رفضه في أول الأمر ومماطلته لهم بالتسويف مرات عدة ضيقوا عليه بل اجبروه مكرها متعللين، أنهم ولم يعودوا في حاجة لعمله، لتقدمه في العمر ، وأنه في حاجة ، للخلود للراحة ،وغير هذه الحجج الواهية ولكن السبب الحقيقي الذي لدفع أولاده للتضييق عليه أنه: لم يعد من وجهة نظرهم يليق ؛ بابنيه خريجي الجامعة وشقيقهم الذي :يدير تجارة واسعة تؤول إليه ملكيتها برأس مالها الضخم ، فلم يعد مناسباً في مثل هذه الحالة ،؛ أن يظل والدهم ؛عربجيا فرضخ لرغبتهم ببيع الحمار، و لكنه ابقى على عربته فلم يستطع مجرد التفكير في ذلك لكونها صاحبة فضل على اسرته فلم يجد حرجا في ترديد هذه الجملة، فأبقاها عند أحد أقاربه دون علم اولاده ..
عم صبحي ليس له قدرة على اقناعهم او يدعوه لشأنه, ولا كيف يخبرهم أن عمله في هذه الفترة ليس ؛ من أجل ربح مزيد من المال ، فالأمر اكثر تعقيداً مما يتخيلون، لارتباطه بكل خلجة من نفسه بهذا العالم الذي لا يعرف غيره ،وبصحته واندماجه مع أهل كاره وحضورهم في حياته ومخالطته لهم صباح مساء ، وخاصة حينما يتحلقون حوله جلوسا في القهوة، يستشيره احدهم استبدال عربته بأخرى أفضل أم يقوم بإصلاحها؟ وعربجي آخر يرغب فى حل حصان مكان آخر يتمتع بقوة أكبر على الجر، لا يبرم أيا منهم أمرا يتعلق ببيع او شراء, دونه مباركة عم صبحي لثقتهم فيه، اغلبهم يعتبره الأب الروحي له ، قبل أن يكون شيخا لطائفة العربجية في اتفاق غير معلن بينهم، علاوة على خبرة في علاج الخيل اكتسبها الرجل في عمره المديد وشعوره بالمسؤولية تجاه هذه المجموعة من الناس ، يمارس حياته بينهم بسعة صدر هاشا باشا للجميع دون شكوى أو ملل، لم يداهمه يوماً احساس أو تفكير بتقدمه في العمر أو غير قادر على العمل ، أخذ يجتر ذكرياته أثناء حديثه لنفسه, كيف لم يفكر أولادي بكل ما يدور في خلدي الان .
يبدأ يوم عم صبحي الذي؛ ينفق اغلبه على القهوة جلوسا وحد ،لعدم عثوره على أشباه له ؛يتواصل معهم و قرأ من نظرات مصوبة نحوه متسائلة من رواد القهوة لما يجلس هذا الشخص هنا؟ فتمنى :أن يدور فيما بينهم حديثا؛ يخبرهم من خلاله حقيقة نفسه، ينسف به كل ظنونهم ،و أن وجوده في هذا المكان قسراً عنه وعلى غير رغبته ، وان جلوسه هنا له سببا آخر: لأنها أقرب مكان : لسكنه الجديد في عمارة : ابنه التاجر الذي اقنعه الانتقال للإقامة معه في الحي الراقي هو ووالدته، وبذلك يقطع كل علاقة بمنطقته الشعبية، لأنها لم تعد تليق به ، ولكن حدث العكس وزاد تعلق الرجل بها ، يقوم بالزيارة من حين لآخر، فأسعد أوقاته؛ بتواجده بين أهل كاره ومعارفه القدامى من العربجية شعور باسترداد نفسه وأن حياته تتصل من جديد ، ثم ينطلق للاطمئنان على عربته، الذي وجد في آخر مرة :بين الواحها الخشبية فواصل ، سببتها عوامل الطقس ؛ من حرارة شديدة وأمطار غزيرة فترك ذلك في نفسه حزناً شديداً لما ، فجلب معه حصيرة وجعل العربة تحتها وأخذ يتحسسها برفق .
ثم جلس بجوارها يمعن النظر فيها ويتأملها، وتذكر صباه وشبابه اثناء اعتلاء ظهرها، ويقوم بحمولتها بأكثر عشرين جوالا، ثم ينطلق بعدها من دمياط يقطع مسافات شاسعة يخلف فيها وراءه ؛مجموعة من القرى والمراكز ,حتي يصل بها سالما لمنية النصر ،ومركز ودكرنس، وميت سلسيل، في محافظة الدقهلية ، وهي تعد سفرا حتي يومنا هذا بالنسبة لسيارات النقل لبعد المسافة وهو لم يتعدى بعد من العمر : السابعة عشر من عمره ،وبعد عودته يتحلق حوله الكثير من العربجية ممنيين النفس : برحلة عمل من التي يقوم بها عم صبحي يسألونه بشغف عن: الطريق وقطاعه من اشرار الناس التي تتنامى قصصهم لمسامعهم، فيقص عليهم كل ما شاهده، فمن صفاته الاحتفاظ بذكرياته منطقة بداخل أعماقه لا يطالها النسيان؛ يسرد عليهم كل ما شاهده منذ مغادرته حتى عودته وكأنه رحالة وليس عربجيا…ثم فترة صمت اقسم: بعدها بينه وبين نفسه: أن المرض لم يتسلل لجسده إلا بعد انتقاله، للحي الراقي وأنه لم يشعر بالعلة والضعف، إلا بعد تناوله ما لذ وطاب من طعام إبنه ،وبارتدائه الفاخر من الثياب،وأن اضطراب نفسه ، وضجره من الحياة وسأمه لها ،لم يعرف إلى نفسه سبيلا، إلا بانتزاعه من بين رفقاء دربه ومغادرته هذه المنطقة التي تسكن بداخل نفسه، فهي كل دنياه المحببة إلى نفسه ، وشهدت لعبه مرحه مع اترابه ، وكانت مرتع صباه ،شعر عم صبحي فجأة بهبوط، وأن شهيقه وزفيره لم يعد سهلاً كما كان منذ فترة قصيرة، فجلس مستندا على عربته القديمة ، يعاني ضيقا في التنفس، انطلق قريبه ليخبر :أولاده أنه عثر والدهم مستندا على عربته مفارقا للحياة..
