
بقلم . جاكلين جرجس
يُعد مشروع أسرة نوباريان المعاصر من أهم المشروعات الثقافية والعلمية المهمة التي ارتبطت بتاريخ الأرمن ، وخاصة في مصر و أوروبا. وقد ظهر هذا المشروع في إطار الجهود التي بذلها الأرمن للحفاظ على تاريخهم وهويتهم الثقافية بعد الأحداث المأساوية التي تعرضوا لها في أوائل القرن العشرين، وعلى رأسها الإبادة الأرمنية، والتي أدت إلى تهجير وقتل أعداد كبيرة من الأرمن وتشتتهم في أنحاء مختلفة من العالم.
وفي ظل هذا الشتات، ظهرت الحاجة إلى توثيق التاريخ الأرمني، وجمع الوثائق والمخطوطات، وتسجيل شهادات الناجين، وإنشاء مؤسسات علمية وثقافية تحفظ هذا التراث. وكان لأسرة نوباريان دور بارز في هذا المجال، حيث ساهمت في إنشاء مشروع علمي وثقافي هدفه الحفاظ على الذاكرة التاريخية للأرمن، ونشر الدراسات المتعلقة بتاريخهم، وهو ما عرف باسم مشروع أسرة نوباريان.
وقد اعتمد المشروع على جمع الوثائق الرسمية، والمراسلات، والصور، والمذكرات الشخصية، والصحف، والمجلات، وكل ما يمكن أن يساهم في كتابة التاريخ الأرمني بشكل علمي موثق. ومن هنا أصبح مشروع نوباريان أحد أهم المشروعات التوثيقية في تاريخ الأرمن في المهجر.وبذلك يمكن القول إن الإطار التاريخي لظهور مشروع أسرة نوباريان يرتبط بعدة عوامل، أهمها تدهور أوضاع الأرمن في الدولة العثمانية، وحدوث الإبادة الأرمنية، وظهور الشتات الأرمني، ودور النخب الأرمنية في المهجر، وخاصة في مصر وأوروبا، في الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للأرمن. وقد أدى ذلك إلى ظهور مشروعات توثيقية وثقافية كان من أهمها مشروع أسرة نوباريان، الذي لعب دوراً مهماً في جمع الوثائق التاريخية ونشر الدراسات المتعلقة بتاريخ الأرمن.
أهمية مشروع أسرة نوباريان:
ساهم المشروع في حفظ الوثائق التاريخية المتعلقة بالأرمن، خاصة الوثائق التي تتعلق بالإبادة الأرمنية، والتي كانت مهددة بالضياع و أصبح المشروع مصدراً مهماً للباحثين في التاريخ الحديث و تاريخ الدولة العثمانية و دراسات الإبادة الجماعية و دراسات الشرق الأوسط و أيضاً دراسات الشتات ، كما ساعد المشروع في الحفاظ على اللغة والثقافة والتراث الأرمني، خاصة للأرمن الذين يعيشون خارج أرمينيا.كان للأرمن دور مهم في مصر في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة والثقافة والتعليم، وقد ساهم مشروع نوباريان في توثيق هذا الدور.وقد استقر الأرمن في مصر خاصة في القاهرة والإسكندرية، وأنشأوا مدارس وكنائس وجمعيات ثقافية، وكان لهم دور في الحياة الاقتصادية والثقافية في مصر.
مشروع نوباريان والاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية :
كما ساهمت الوثائق التي نشرها مشروع أسرة نوباريان في دعم الدراسات التي تتناول الإبادة الأرمنية التي نُحي ذكراها في 24 إبريل من كل عام ، وقد استخدمت هذه الوثائق في الأبحاث الأكاديمية والمؤتمرات الدولية. كما ساهمت هذه الدراسات في زيادة الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية، حيث اعترفت العديد من الدول بهذه الأحداث باعتبارها إبادة جماعية. وقد لعبت الوثائق التاريخية دوراً مهماً في هذا الاعتراف، لأنها قدمت أدلة تاريخية موثقة على ما حدث.
أهمية المشروع في العصر الحديث :
لا يزال مشروع أسرة نوباريان يحتفظ بأهميته حتى اليوم، حيث تم رقمنة العديد من الوثائق، وأصبحت متاحة للباحثين عبر الإنترنت. ويعد المشروع مثالاً مهماً على دور المؤسسات الثقافية في الحفاظ على التراث والتاريخ كما يستخدم المشروع في:
الدراسات التاريخية ، الأبحاث الجامعية ، دراسات الإبادة الجماعية ، الدراسات الثقافية ، توثيق تاريخ الشرق الأوسط حيث يمكننا القول إن مشروع أسرة نوباريان يعتبر من أهم المشروعات الثقافية والعلمية التي ساهمت في توثيق التاريخ الأرمني والحفاظ على الذاكرة التاريخية للأرمن بعد الإبادة الأرمنية والشتات. فقد نجح هذا المشروع في جمع آلاف الوثائق والمخطوطات والصور، وإنشاء مكتبة وأرشيف علمي يعد من أهم الأرشيفات الأرمنية في العالم.كما ساهم المشروع في دعم الدراسات الأكاديمية المتعلقة بتاريخ الأرمن وتاريخ الدولة العثمانية ودراسات الإبادة الجماعية، وأصبح مرجعاً مهماً للباحثين والمؤرخين.
التحول العالمي لمشروع نوباريان:
من أرشيف عائلي إلى مؤسسة عالمية عندما بدأ المشروع كجهد فردي وعائلي لجمع الوثائق والمخطوطات الأرمنية.مع مرور الوقت، تم تأسيس مكتبة نوباريان في باريس كمركز رسمي يجمع الوثائق والمخطوطات ويصنفها.أصبحت المكتبة مرجعًا للباحثين من مختلف الدول، ما حول المشروع من نشاط محلي أو عائلي إلى مؤسسة ذات حضور عالمي من خلال إتاحة الأرشيف للباحثين العالميين ، رقمنة الوثائق والكتب والمخطوطات.توفير قواعد بيانات إلكترونية للوثائق
التعاون مع الجامعات والمؤسسات الدولية :
تمت المشاركة في مؤتمرات دولية متخصصة في الدراسات الأرمنية، دراسات الشتات، ودراسات الإبادة الجماعية. ونشر أبحاث مشتركة مع مؤسسات أكاديمية دولية، مما عزز مكانة المشروع على المستوى العالمي.
أصبح مشروع نوباريان مصدرًا أساسيًا للباحثين في التاريخ الحديث، ودراسات الهجرة والشتات، ودراسات الأقليات العرقية والدينية.تعزيز الهوية الثقافية للأرمن عالميًا: نشر التراث الأرمني، المخطوطات، والصور التاريخية ساعد الجاليات الأرمنية في مختلف دول العالم على الحفاظ على هويتها الثقافية وتوثيق تاريخها.
في النهاية، يمثل مشروع أسرة نوباريان جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الوثائق التاريخية والبحث العلمي، وبين التراث الثقافي والهوية المعاصرة، مما يجعله من أبرز المشاريع التي ساهمت في الحفاظ على التاريخ الأرمني ونشر المعرفة حوله على نطاق عالمي لم يقتصر دور المشروع على توثيق تاريخ الأرمن فقط، بل ساهم أيضاً في توثيق تاريخ الأرمن في مصر ودورهم في المجتمع المصري،.وبذلك يمكن اعتبار مشروع أسرة نوباريان نموذجاً مهماً للمشروعات الثقافية التي تهدف إلى الحفاظ على التاريخ والهوية الثقافية للشعوب، خاصة في ظل الظروف التاريخية الصعبة مثل الحروب والتهجير والشتات، مما يجعله مشروعاً مهماً في دراسة تاريخ مصر الحديث أيضاً .
