
بقلم: أحمد غريب
يخطئ من يظن أن الحرب الدائرة الآن ما بين إيران من جهة وما بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخري هدفها فقط الملف النووي الإيراني لأسباب عديدة ، أولها أن الحليف الدائم والأوحد للولايات المتحدة الأمريكية يمتلك الملف ذاته بتقنيات أمريكية أو قد تزيد ، كما أن هناك العديد من دول العالم تمتلك نفس الملف كباكستان مثلا ، إذن لماذا هذه الحرب والتي تلقي بظلالها ليس فقط علي المنطقة العربية وانما علي العالم كله؟!.. حيث حولت الدولة الإيرانية الحرب من إقليمية إلى دائرة أوسع وأخطر، حيث تحكمت في أخطر الممرات المائية في العالم وهو مضيق هرمز، الذي يعتبر أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث يمثل شريان الطاقة العالمي بعبور حوالي 20٪ إلى 30٪ من النفط الخام وللمنتجات النفطية عالميا (نحو 20 مليون برميل يوميا) ، يربط الخليج العربي بخليج عمان، ويشكل المنفذ الوحيد للتصدير نفط وغاز دول الخليج (السعودية – العراق – الامارات – الكويت وقطر) إلى الأسواق الآسيوية والعالمية، وتمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وخمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله ركيزة أمن الطاقة الدولية ، ويعتبر أي اضطراب في الملاحة عبر هذا المضيق، مؤثرًا بشكل فوري على أسعار الطاقة العالمية، ويهدد إمدادات الدول الصناعية، وتعتبر الحرب علي ايران بداية سباق محموم مفتعل، ليصل في نهايته لتحقيق اهداف أخرى أعمق وأهم ،والولايات المتحدة الأمريكية بترسانتها العظيمة والتي تضعها في خدمة إسرائيل الولاية الأمريكية الواحدة والخمسون، إذ تقوم اسرائيل بتحقيق الأهداف مجتمعة سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية بإخراج أمريكي ، ووجود إسرائيل بين العرب ولعقود طويلة جعلها تتأكد من ضرورة رسم خارطة جديدة تأتي على هواها، بما يضمن لها أن يكون جيرانها كما ترغب هي، و ليس كما تفرض عليها الجغرافيا ويرسم لها التاريخ. فإسرائيل حاولت مرات عديدة أن تدخل تحت العباءة العربية، إلا أنها لم تفلح ، والكيان العبري يعرف أعداءه جيداً ويضع مراحل زمنية للتعامل معهم، وهو هنا قد يقلم أظافر الخصم اولا قبل أن يعاركه، ولعل القاصي والداني يعلم بما لا يدع مجالاً للشك، أن مصر هي العدو الأزلي لهذا الكيان السرطاني المتشعب في جسد الوطن العربي، ولا شك أن إسرائيل قد نجحت بالفعل في الوصول إلى الداخل المصري بأساليب عديدة وكثيرة قديمة وحديثة ، ولا شك أن الحرب الأخيرة نالت كثيراً من الوحدة العربية فشقت الصف بين مصر ودول الخليج، إذ اعتبرت هذه الدول أن مصر لم تقم بالدور المنوط بها، حيث أن دول الخليج ترى دائماً من مصر الجسد الذي يجب ان تتحطم عليه سهام أعدائها، وهم حينئذ وعندما تناولوا مصر بكثير من المظاهر السلبية، نراهم وقد نسوا ما فعلته مصر تجاه كل القضايا العربية، تلك التي راح ضحيتها أعز ما تملك مصر من شبابها، بل وذهاب اقتصادها أدراج الرياح، ولكن اليوم يراه العرب أنه ليس كالبارحة، وعلى الجيش المصري أن يتحرك ويتصدى لعدوهم الشيعي قبلهم، بل وبدلاً عنهم، رغم أن التاريخ لم يذكر أن كان الجيش المصري يوما جيشا مرتزقا، بل هو الذي يهب دائما ليحمل قضاياه العربية على أكتافه، وكم يذكر التاريخ لمصر تصديها للحملات الصليبية والتتارية بدلا عنهم، إلا أن العرب نسوا كل ذلك بل وأساؤوا إليها، ولكنها الكبيرة التي تسامح وتعفو عندما يخطئ في حقها الصغار، وليس عجباً أن يأتي شق الصف المصري الخليجي على قائمة الأجندة التي جاءت بها الحرب الأخيرة، والعدو الإسرائيلي علمته التجارب أن اللحمة العربية، هي التي تغير قواعد اللعبة، ولقد كان درس حرب أكتوبر 73 درساً لا يمكن لإسرائيل أن تنساه عندما وقفت الدول العربيّة بجانب الشقيقة الكبرى مصر اقتصاديا ومعنويا. وإسرائيل اليوم لا ترغب أن تستعيد الذكريات المؤلمة لهذه التجربة القاسية على نفسها، بل تريد أن ترى مصر وحدها في خندق، معزولة عن الدعم العربي، لكن ولأن الرياح لا تأتي بما تشتهيه السفن، فإن الجسد العربي يمرض ولكنه لا يموت، ودائما ما تثبت الأزمات أن العرب إخوة إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، ومصر واقع لا محالة يفرض نفسه على الجميع. وهي ليست اختيار شاء من شاء وأبى من أبى. ولا يخفى على أحد أن مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل في هذه الحرب، جاء ليس فقط لتحقيق أهداف إسرائيل ؛ وإنما لتحقيق أهداف خاصة بها نفسها، إذ الولايات المتحدة الأمريكية تعلم جيداً أن إيران هي حليف للصين ولروسيا، وهي عندما تضرب هذا الحليف فإنها بذلك تكون قد ضربت الدولتين العظيمتين في مقتل، وكيف لا وإيران شريك لا غنى عنه للصين، حيث تعتمد الصناعة الصينية على الوقود الإيراني، كما تعتبر روسيا الدولة الشيعية منفذاً لها للشرق الاوسط لا غنى عنه ولعل الحرب الدائرة حاليا تكشف النقاب عن أمور كثيرة هنا وهناك؛ فإيران تريد أن تخرج عن عزلتها التي فرضتها أمريكا عليها، وعلي صادراتها، وترغب في أن تتمدد هنا وهناك، بل وتريد أن تري بنيتها التحتية فيما يتعلق ببرنامجها النووي؛ كي يرى النور وكيف لا والاتحاد السوفيتي يمد لها يد العون، فيما يتعلق في هذا الشأن. ولأن الولايات المتحدة الأمريكية رأت أن دولاً تمتلك السلاح النووي، ما كان لها أن تحصل عليه، مثل باكستان، فكيف لها أن تسمح للدولة الإيرانية بأن تخطو خطوات جادة نحو هذه الفكرة بل وتحقيقها وإذا كان للحرب ظواهر وآثار خطيرة، فإن لها أهداف يأتي في مقدمتها التأكيد علي عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وكذلك وقف التمدد الشيعي في المنطقة، والأخطر هو ضرب التقارب المصري الخليجي في مقتل، وافتعال الأزمات المتتالية للمنطقة عامة والدولة المصرية خاصة، كل هذه الأهداف تأتي مجتمعة ويأتي علي رأسها التأثير على صانع القرار المصري، من خلال ملفات عديدة أهمها ملف السد الاثيوبي وإذا كانت هذه الأهداف خاصة بالمنطقة العربية فإن ضرب الصناعة الصينية يأتي هو الآخر ضمن الأهداف الهامة التي أتت بهذه الحرب.
