
بقلم: شحاته زكريا
في الشرق الأوسط لا يبدو الزمن خطا مستقيما ، بل دائرة تدور بلا توقف. تتغير الوجوه تتبدل العناوين تتراجع جبهات وتشتعل أخرى لكن المشهد في جوهره يظل كما هو: توتر دائم، قلق مزمن وشعور عام بأن الهدوء ليس سوى استراحة قصيرة بين موجتين من الاضطراب. هنا لا يُقاس الاستقرار بغياب الصراع بل بقدرته على التأجيل..السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا تندلع الأزمات بل لماذا لا تنتهي؟ ولماذا باتت المنطقة وكأنها تعيش داخل حالة صراع مستمرة تتغير أدواتها لكنها لا تغادر مسرحها؟ هل أصبح الصراع هو القاعدة والاستقرار مجرد استثناء عابر؟الإجابة ليست بسيطة لأن ما يجري في هذه المنطقة لا يمكن اختزاله في حدث أو قرار أو حتى في صراع بعينه. نحن أمام تراكم تاريخي معقد تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة والمصالح بالهويات والداخل بالخارج في شبكة يصعب تفكيكها دون أن تتشابك خيوطها أكثر..منذ عقود لم تعرف المنطقة حالة استقرار حقيقي طويل الأمد. حتى في الفترات التي وُصفت بالهدوء كانت التوترات كامنة تحت السطح تنتظر لحظة مناسبة لتنفجر. الصراعات لم تعد مجرد حروب تقليدية بين جيوش بل تحولت إلى أنماط أكثر تعقيدا: حروب بالوكالة صراعات نفوذ تنافس اقتصادي صدامات إعلامية وضغوط دبلوماسية لا تقل تأثيرا عن الطلقات.. في هذا السياق لم يعد من السهل الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي. فالأزمات المحلية غالبا ما تتحول إلى ساحات لتصفية حسابات إقليمية ودولية بينما تتداخل المصالح الكبرى مع الحسابات الصغيرة في مشهد يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. كل طرف يرى في الصراع فرصة لتعزيز موقعه أو على الأقل منع خصومه من التقدم.. لكن الأخطر من استمرار الصراع هو اعتياد الجميع عليه. حين تصبح الأزمات جزءا من الحياة اليومية يفقد الحدث ثقله ويتحول الاستثنائي إلى مألوف. لم يعد اندلاع توتر جديد صدمة بل خبرا متوقعا. ولم يعد السؤال متى يحدث التصعيد بل إلى أي مدى سيصل هذه المرة ومن سيدفع الثمن..هذا الاعتياد لا يقتصر على الشعوب فقط بل يمتد إلى دوائر صنع القرار. فبدلا من البحث عن حلول جذرية يتم التعامل مع الأزمات بمنطق الإدارة لا الإنهاء. يتم احتواء التوتر تهدئة الجبهات تأجيل الانفجار… لكن نادرا ما يتم اقتلاع جذور المشكلة. وكأن الهدف لم يعد الوصول إلى سلام دائم بل منع الانهيار الكامل. وربما هنا تكمن المفارقة. فالمنطقة لا تعاني فقط من كثرة الصراعات بل من غياب مشاريع حقيقية لإنهائها. هناك تفاوض نعم. وهناك مبادرات ومؤتمرات وتصريحات. لكن في العمق لا تزال الحسابات الاستراتيجية لكل طرف قائمة على فكرة الصراع لا تجاوزه. فالسلام في كثير من الأحيان يُنظر إليه باعتباره خسارة محتملة أو تنازلا غير مضمون العواقب.. إلى جانب ذلك تلعب التحولات الدولية دورا لا يمكن تجاهله. العالم نفسه لم يعد كما كان. موازين القوى تتغير أولويات الدول الكبرى تتحول والاهتمام بالمنطقة لم يعد ثابتا كما في السابق. هذا الفراغ النسبي يفتح المجال أمام قوى إقليمية لملء المساحة ما يزيد من حدة التنافس ويعقد المشهد أكثر. وفي ظل هذا الواقع تصبح التحالفات أكثر هشاشة والاصطفافات أكثر مرونة. ما كان ثابتا بالأمس قد يتغير اليوم وما يبدو تحالفا استراتيجيا قد يتحول إلى تنافس صامت في الغد. هذه السيولة في العلاقات تضيف طبقة جديدة من الغموض وتجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث..لكن هل يعني كل ذلك أن المنطقة محكوم عليها بالبقاء في دائرة الصراع إلى ما لا نهاية؟ربما لا. فالتاريخ يعلمنا أن أكثر المناطق اضطرابا يمكن أن تعيد صياغة نفسها إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية والقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة. المشكلة ليست في غياب الفرص بل في كيفية استغلالها.
هناك مؤشرات وإن كانت محدودة على إدراك متزايد بأن كلفة الصراع أصبحت أعلى من عوائده. الاقتصاديات تتأثر الاستثمارات تتراجع المجتمعات تُرهق والأجيال الجديدة تدفع ثمنا لم تخترْه. في المقابل تبرز نماذج تحاول كسر هذه الدائرة من خلال التركيز على التنمية، وتعزيز الاستقرار، وبناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة لا الصراعات الصفرية..غير أن هذه المحاولات لا تزال تصطدم بواقع معقد حيث تتداخل الطموحات مع المخاوف والرغبة في التهدئة مع هواجس فقدان النفوذ. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن للمنطقة أن تنتقل من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح؟ من منطق المواجهة إلى منطق التوازن؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح المرحلة القادمة. فإما أن تستمر الحلقة المفرغة حيث يولد كل صراع صراعا آخر أو أن تبدأ مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الأولويات وتُمنح فيها التنمية والاستقرار مساحة أكبر من الحسابات الضيقة.
في النهاية قد لا يكون من الواقعي انتظار نهاية كاملة للصراعات في منطقة بهذه التعقيدات. لكن ما يمكن السعي إليه هو تقليل حدتها وضبط إيقاعها ومنعها من التحول إلى قدر دائم. فالصراع مهما طال يظل خيارا وليس حتمية.
الشرق الأوسط بكل ما يحمله من تناقضات يقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية. ليس اختبار القوة بل اختبار الحكمة. ليس من يملك القدرة على التصعيد بل من يملك الجرأة على كسر الدائرة.. لأن المنطقة التي لا تهدأ ليست بالضرورة محكوما عليها بالبقاء كذلك… لكنها تحتاج إلى من يقرر أن الهدوء لم يعد رفاهية بل ضرورة.








