
د. علي زين العابدين الحسيني
أجد في النقد -على خلاف كثير من الناس- هديةً ثمينة لا تشبه الهدايا التقليدية التي تُقدَّم للمرء في صورة كلمات إطراء أو عبارات ثناء. فمنذ بداياتي الأولى في عالم الكتابة، لم أنظر إلى النقد بوصفه خصومةً أو محاولةً للنيل من الكاتب، على العكس رأيت فيه علامةً على أن ما أكتبه قد استطاع أن يلامس عقل قارئٍ ما أو يوقظ في نفسه فكرةً تستحق أن تُناقش. ولذلك كنت أشعر، كلما قرأت نقدًا جادًا لشيء كتبته، أن النص قد تجاوز حدود الورق والحبر، وانتقل إلى حياة الآخرين، وصار جزءًا من ذاكرتهم الفكرية، وهذا يجعل النص ذاكرة حية باقية.
آمنت دائمًا بأن النص الذي يثير النقاش، مهما بدا بسيطًا أو ضعيفًا في نظر بعض الناس، هو نص نجح في أداء واحدة من أهم وظائف الكتابة؛ وهي أن يوقظ الأسئلة ويستدعي الحوار ويشغل الأذهان. فالكتابة التي تمر مرورًا عابرًا، فلا تستوقف أحدًا ولا تدفع قارئًا إلى التفكير أو التعقيب، تظل حبيسة وجودها المحدود، أما الكتابة التي تستفز العقول وتكثر التفسير وتستدعي المراجعة والاعتراض والقبول والرفض، فهي كتابة دخلت بالفعل في دائرة الحياة.
ولطالما شعرت أن المدح الدائم أقرب إلى الصمت منه إلى الكلام. فالإطراء المتكرر، على جمال وقعه في النفس، لا يترك في داخلي ذلك الأثر العميق الذي يتركه النقد. وكثيرًا ما كنت أقرأ كلمات الإعجاب فأشعر بالامتنان لقائليها، لكنني في الوقت نفسه أدرك أنها كلمات لا تساعدني كثيرًا على رؤية عملي من زاوية جديدة. فالمديح، في كثير من الأحيان، يكتفي بتأكيد ما هو قائم، بينما يمنحني النقد فرصة لاكتشاف ما خفي عني، ويضعني أمام احتمالات جديدة للفهم والتأمل، وهذا كله يستدعي إعادة النظر في كل ما نقرؤه أو نكتبه.
وقد تعلمت من تجربتي مع الكتابة أن الناقد الجاد يستطيع أن يضيء زوايا معتمة في النص لم يكن الكاتب منتبهًا إليها. وربما نبهني إلى ضعفٍ كنت أظنه قوة، أو قوة كنت أحسبها ضعفًا، أو كشف لي عن جانب إيجابي لم أكن واعيًا به حين كتبت. ولهذا لم يكن النقد بالنسبة إليَّ مجرد ملاحظات تُقال على هامش النص، بل كان دائمًا وسيلةً لإعادة اكتشاف العمل وإعادة اكتشاف الذات الكاتبة في آنٍ واحد.
ومن أكثر الأمور التي تسعدني أن أجد دراسة جادة تُقرأ فيها أعمالي بعين موضوعية، بعيدة عن المجاملات والانحيازات والأحكام المسبقة. فمثل هذه الدراسات تجعلني أقف أمام ما كتبت مرة أخرى، وكأنني أراه للمرة الأولى. وكثيرًا ما عدت إلى بعض نصوصي بعد قراءة دراسة نقدية عنها، فاكتشفت فيها أمورًا لم أكن أدركها عند كتابتها. وقد تكون بعض الملاحظات قاسية، وقد تأتي بعض الرؤى مخالفة تمامًا لما كنت أقصده، لكنني مع ذلك أراها ذات قيمة علمية كبيرة؛ لأن الناقد الحقيقي لا يهدم العمل، وإنما يشارك في بنائه من زاوية أخرى، ويسهم في توسيع أفق الكاتب وتعميق وعيه بما يكتب.
ذلك أنّي أرى أن النقد في جوهره حوار عميق بين الكاتب وقارئه، وهو أيضًا صورة من صور الشراكة الفكرية التي تنشأ بينهما. وحين أتلقى نقدًا في رسالة خاصة، أو أقرأ مقالًا في صحيفة أو مجلة يتناول أحد أعمالي، أشعر وكأنني دخلت فصلًا دراسيًا جديدًا أتعلم فيه شيئًا لم أكن أعرفه من قبل. والعادة أن القراء لا يأتون إلى النص بأعين متشابهة، وإنّما يحمل كل واحد منهم أدواته المعرفية وتجربته الإنسانية ورؤيته الخاصة وفكرته العميقة، ولذلك يكون لكل قراءة ما تضيفه إلى النص وإلى صاحبه.
ولعل من أهم ما علمتني إياه تجربتي مع الكتابة أن النصوص، بمجرد خروجها إلى الناس، لا تعود ملكًا خالصًا لكاتبها، وإنما تصبح كائنات مستقلة تعيش حيوات متعددة في عقول الآخرين ووجدانهم. ولكل قارئ حقه في أن يفهمها بطريقته، وأن يفسرها كيفما اتفق، وأن يختلف معها أو يتفق، وأن يقرأ فيها ما لم يخطر ببال صاحبها. ومن هنا أجد نفسي ممتنًا لكل من خصَّ عملاً من أعمالي بقراءة متأنية أعقبها بنقد جاد وربما كان قاسيًا في بعض الأحيان؛ لأنه يمنحني فرصة للنمو الفكري والإنساني، ويذكرني دائمًا بأنّ الاختلاف ليس سببًا للخصومة، لكنّه باب من أبواب التعلم والمراجعة الفكرية والمعرفية.
ولهذا كله، فإنني لا أستريح كثيرًا لأولئك الذين يكتفون بالإطراء المجرد الذي لا يستند إلى فكرة أو رؤية أو قراءة متأنية أو أداة معرفية واضحة. وإنّي على كلّ حالٍ أقدِّر حسن نياتهم، وأشكر مشاعرهم الطيبة، غير أن كلماتهم، على جمالها، سرعان ما تتلاشى ولا تترك في النفس أثرًا باقياً. أما الذين يأتون بالنقد البناء، ويشيرون إلى مواضع القوة والضعف، ويقدمون قراءة واعية لما أكتب، فأولئك أعدهم شركاء حقيقيين في رحلتي الكتابية؛ لأنهم يشاركونني في تشكيل الفكرة وصناعة الكلمة، ويعلِّمونني في كلّ مرة أن الكتابة هي بداية حوار لا ينتهي، وليست نهاية الطريق.







