
د. علي زين العابدين الحسيني
ليست الكتب وحدها هي التي تُعلّم، فهناك مصادر أخرى كثيرة، يأتي على رأسها التجاربُ بما فيها من خيبةٍ أحيانًا، وبصيرةٍ تُولد من رحمها أحيانًا أخرى، وهي أصدق أثرًا وأعمق رسوخًا. وقد مررتُ كغيري من المهتمين بالحياة العلمية والثقافية بمحطاتٍ كشفت لي عن طبيعة المشهد العلمي، وما يعتريه من مبالغاتٍ في التقدير، كما كشفت لي في الوقت نفسه عن وجوهٍ أخرى من الصدق الإنساني الذي لا يُصطنع.
فمن مشكلاتنا العلمية في تحقيق الكتب ومحقّقيها أن يُروَّج لكتابٍ مخطوطٍ سنينَ طويلةً على أنه فريدٌ في بابه، وأن الحاجةَ ماسّةٌ إليه، فتتناقل الألسن هذا الثناء حتى يستقرَّ في الأذهان كأنه مسلَّم. ثم إذا طُبع الكتاب بدا أنه لا ينهض بكل ذلك التهويل؛ ولا نقول أبدًا إنه خالٍ من الفائدة -فلا يكاد يخلو كتابٌ منها- ولكن الخطر في تضخيم قدره حتى يُنزَّل منزلةً لا يستحقها.
ومع ذلك، يعسر الجهرُ بهذا التقويم بعد إخراجه؛ لأن فلانًا حقّقه، وله أعوان ومناصرون، فيغدو العلمُ أشبهَ بالمجاملات، وتتحوّل الموازينُ من نقدٍ علميٍّ إلى اعتباراتٍ شخصيّة، فيُصان الاسمُ، ولو على حساب الحكم. لكن من لطفِ الله تعالى أن أهلَ الاختصاص -ممّن لا تحكمهم المجاملات- يُنزِّلون الكتاب منزلتَه، ويرونه عملاً عاديًّا لا ينهض بذلك التبجيل، وأن ما أُحيط به من تعظيمٍ إنما يتداوله المنتفعون به أكثر من غيرهم.
وهذا ما حدث معي مع كتابٍ طُبع مؤخرًا، فقد اطلعت عليه قديمًا مخطوطًا، وعرفت أنه قليل الفائدة، إذ أخذ المصنف مادته من كتب سبقته مع تهذيب وتلخيص وإضافات تكاد تعد على الأصابع، وأن المبجلين له إنما نظروا إلى قدر مصنِّفه واسمه، ليس أكثر.
وكنت أرى احتفاء البعض به، فأصمت وأتهم نفسي، لكن أراحني أنني رأيت منذ أيامٍ أستاذًا جامعيًا مرموقًا في تخصصه كتب كلامًا أشد مما أقوله، والأستاذ خارج نطاق المنتفعين، ومما لا ريب فيه أنه سيأتي زمنٌ يتقدّم فيه من هو أجرأ على القول؛ فيُقوِّم الكتاب والمحتفين به تقويمًا علميًّا منصفًا، يضعه في قدره، بعيدًا عن الإفراط والتوهم.
وكانت هذه التجارب العلمية، بما فيها من احتكاكٍ بالكتب وأهلها، سببًا في أن أعيد النظر في طبيعة المجالس التي أطمئن إليها، وأرتاح لها، فأنا لا أخجل أن أقول: إنّ الجلوس مع أناسٍ بسطاء، لم يتزيّنوا بألقاب العلم، أحبُّ إلى نفسي من مجالس يكثر فيها الكلام، ويقلّ فيها الصدق.
أجد في أولئك البسطاء سكينةً لا تكلّف فيها، وصفاءً لا تصنّع معه؛ يخطئون أحيانًا، لكن قلوبهم أقرب إلى السلامة، وكلامهم يخرج على سجيّته، لا يستتر وراء غرض. أشعر بينهم أني على طبيعتي، لا أحتاج أن أزن كل كلمة، ولا أن أتوقّى كل نظرة؛ فالأرواح معهم تسير بلا أقنعة.
وعلى الضدّ، قد تجلس إلى من ينتسب إلى العلم، فتجده قد أحسن العبارة، إلا أنه لم يُحسن السيرة؛ فتثقل المجالس، ويضيق الصدر. ليس ذلك حكمًا على العلم وأهله، فكم فيهم من تُحيي صحبتُه القلب، ويزكّي العلمُ خُلقه؛ ولكنها تجربةٌ علّمتني أن العبرة بما يُفعل، وليس بما يقال، وأنّ صحبة صادقة بسيطة أنفع للقلب من مجالس يعلو فيها الكلام، وتخفت فيها المعاني.
وهكذا تعطي لنا الأيام درسًا مهمًا في أن العلم هو ما يتركه في النفس من أثر، وأن قيمة المجالس تُقاس بصدق الأرواح التي تجلس فيها؛ فربّ مجلسٍ خلا من الألقاب امتلأ بالسكينة، وربّ مجلسٍ زخرت فيه العبارات خلا من المعنى، وبين هذا وذاك تمضي الحياة بنا جميعًا، نفتّش فيها عمّا يصدق، وليس عمّا يلمع.
