
بقلم: بهجت العبيدي
في الوقت ابذس تتكاثر فيه أصوات الصدام، وتتصاعد فيه نبرات الشك وسوء الفهم بين أتباع الديانات، تبرز بين الحين والآخر أعمال فكرية جادة تحاول أن تفتح نوافذ جديدة للفهم المتبادل، وأن تعيد قراءة النصوص الدينية الكبرى قراءة إنسانية رحبة. ومن بين هذه الأعمال يبرز كتاب المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي الموسوم بـ “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”، وهو كتاب يمثل بحق محاولة فكرية جريئة لإعادة بناء جسور الثقة بين أتباع الديانتين الأكبر في العالم: الإسلام والمسيحية.
الكتاب، في جوهره، ليس مجرد دراسة مقارنة بين نصوص دينية، بل هو مشروع فكري متكامل يسعى إلى تحرير العلاقة بين المسلمين والمسيحيين من إرث طويل من سوء الفهم التاريخي، ليعيدها إلى أصلها القيمي الذي تؤكد عليه الرسالات السماوية جميعا: الرحمة، والعدل، والحرية الإنسانية.
ينطلق المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي من قراءة قرآنية دقيقة للنصوص التي تناولت المسيح عليه السلام وأتباعه، ليؤكد أن القرآن الكريم لم يأتِ لينفي الإيمان المسيحي، بل ليضعه في سياق الإيمان بالله الواحد الذي يجمع البشر جميعا. ومن خلال تحليل هادئ ومتزن، يوضح الكاتب أن جوهر الرسالة الإلهية واحد، وأن الاختلافات التي نشأت بين أتباع الديانات عبر التاريخ إنما هي في كثير من الأحيان نتاج صراعات سياسية أو تأويلات بشرية، لا جوهر النصوص المقدسة.
ولعل أبرز ما يميز هذا الكتاب أنه يتجاوز الخطاب الدفاعي التقليدي، ليقدم خطابا إنسانيا واسع الأفق، يركز على القيم المشتركة التي يمكن أن تشكل أساسًا للتعايش الحقيقي بين البشر.
وقد كان لصدور النسخة الألمانية من الكتاب بعنوان
Der Koran bezeugt die Unversehrtheit des christlichen Glaubens
أثر بالغ في الأوساط الثقافية في عدد من الدول الأوروبية، حيث لقي العمل اهتماما واستحسانا واضحين، لما يحمله من خطاب عقلاني يدعو إلى الحوار والتفاهم بدلاً من الصدام.
وقد لمستُ بنفسي هذا التفاعل خلال الأنشطة التي نقوم بها في مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا ودول شرق أوروبا، حيث أتشرف بإدارة هذا المكتب الذي يعمل على نشر قيم التعايش والسلام التي يدعو إليها المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي.
فقد أبدى العديد من المثقفين والمهتمين بالشأن الديني والفكري تقديرهم لهذه الرؤية المستنيرة التي تقدم الإسلام بوصفه رسالة سلام واحترام لحرية الإنسان وكرامته.
رسالة تعكس أثر الكتاب
ومن بين الرسائل التي وصلتني بعد إهداء الكتاب لبعض الشخصيات في النمسا، رسالة مؤثرة من السيد م. أشرف حنا، وهو نمساوي من أصول مصرية قبطية، ويشغل عدة مواقع مهنية ونقابية، منها مسؤول النظام الكهربائي بأكاديمية الهندسة والتكنولوجيا في كابفنبرج، ونقيب الموظفين في الإدارة التعليمية بولاية شتايرمارك.
وقد كتب يقول وإني أضع نص الرسالة كما هي دون تعديل في اسم المفكر العربي:
“قرأت اليوم كتابًا باللغة الألمانية بعنوان
Der Koran bezeugt die Unversehrtheit des christlichen Glaubens
للكاتب علي الحمدي، الذي يتناول فيه سبل التعايش الإنساني في ضوء القيم السامية التي جاءت بها الأديان السماوية، داعيًا إلى أن تكون المحبة والود أساس العلاقة بين البشر، وترك أمر الثواب والعقاب لله وحده.
كما يؤكد الكتاب على احترام حرية الإنسان وخياراته وعدم التعدي على خصوصيته، فبالتعاون والتسامح تزدهر القيم ويعم الخير والسلام بين أهل الأرض.
وقد كان من جميل الصدف أن أهداني هذا الكتاب الكاتب الكبير أ. بهجت العبيدي، فله خالص الشكر والتقدير. تحية احترام للكاتب علي الحمدي على هذه الرؤية الإنسانية النبيلة.”
إن هذه الرسالة تمثل نموذجًا حيًا للتفاعل الإيجابي الذي يثيره هذا الكتاب، إذ يجد فيه كثير من القراء، مسلمين ومسيحيين، مساحة مشتركة للتفاهم والتقارب.
اهتمام نمساوي بالمبادرة
ومن اللافت أيضا أن فكرة إنشاء مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا قد لقيت اهتماما من شخصيات نمساوية عديدة. فقد تعرفت الطبيبة النمساوية السيدة ماكسنر على نشاط المؤسسة من خلال خبر نشرته صحيفة Kleine Zeitung واسعة الانتشار حول افتتاح المكتب في مدينة ليوبن.
وقد أبدت الطبيبة النمساوية تقديرها لهذه المبادرة التي تهدف إلى تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، بل وأعربت عن ترحيبها بحضور حفل افتتاح المكتب المزمع إقامته قريبا، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك حين عرضت وضع إعلان للمؤسسة في عيادتها الخاصة دعما لرسالة السلام والتعايش التي تحملها.
إن ما يطرحه المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في هذا الكتاب يتجاوز حدود الجدل اللاهوتي التقليدي، ليقدم رؤية إنسانية عميقة تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الأثر: أن الله وحده هو صاحب الحكم في العقائد، وأن مهمة البشر ليست إدانة بعضهم بعضًا، بل التعاون على الخير وبناء عالم يسوده السلام.
ومن هنا يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل بالفعل نقطة التقاء إنساني وديني بين أتباع الإسلام والمسيحية، لأنه يعيد التركيز على ما يجمع البشر لا ما يفرقهم.
رسالة سلام من النمسا إلى العالم
ومن خلال الأنشطة التي نقوم بها في مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا ودول شرق أوروبا، نلمس يوما بعد يوم حجم الاهتمام الذي تحظى به هذه الدعوة بين مختلف الجنسيات والأعراق في النمسا. فالقيم التي ينادي بها الشرفاء الحمادي – قيم الحرية الدينية، والاحترام المتبادل، والتعايش السلمي – هي قيم إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
إن الإقبال المتزايد على التعرف إلى هذا المشروع الفكري يؤكد أن العالم، رغم كل ما يمر به من أزمات، ما يزال متعطشا لخطاب عقلاني يطفئ نيران التعصب، ويعيد إلى الدين دوره الحقيقي بوصفه قوة أخلاقية لبناء الإنسان لا لهدمه.
ولعل كتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية” يشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه؛ خطوة تفتح بابا واسعا لحوار صادق بين المؤمنين، وتذكرنا بأن الرسالات السماوية، في جوهرها، جاءت لتقرب بين القلوب لا لتباعد بينها.









