
د.آمال بوحرب
باحثة وناقدة – تونس
القصة القصيرة العربية المعاصرة لم تعد تقتصر على سرد حدث مختصر أو رسم لقطة عابرة، بل تحولت إلى فضاء تجريبي مكثف يستوعب – ويستبطن – أزمات الواقع نفسه داخل نسيجه الجمالي والتركيبي. لم يعد كافياً أن تكون القصة انعكاساً للواقع؛ صارت القصة نفسها حدثاً وجودياً، فضاءً يعيد إنتاج أزمة الإنسان المعاصر: اغترابه الداخلي، تشظي هويته، حضور الغياب في صميم كينونته، سلطة النظرة الرقابية، انهيار الحدود بين الحياة والموت، بين الذات والآلة، بين الذاكرة والمحو المتسارع.
في هذه مجموعة نرى نموذجاً متقدماً لهذا الاستبطان فالعنوان تجاوز التسمية الجمالية العابرة، ليصبح مفهوما بنيويا ووجوديا يشتغل داخل الشكل القصصي ذاته. المتنزّه – ذلك الفضاء المفترض للتنفس واللقاء والتأمل والحياة اليومية – يتحول إلى مكان مخصص لـ«الغائبين»، أي لمن هم في حالة غياب دائم دون عودة، حضور مؤقت دون بقاء، وجود جسدي دون حضور روحي. هذا الانقلاب في دلالة المكان يصبح مبدأً تركيبياً يحكم القصص كلها: كل فضاء سردي في المجموعة (مشفى نفسي، شقة مطلة على البحر، مقبرة، حجرة مرايا، ممر انتظار) يحمل التناقض نفسه – فضاء يدعو إلى التجوال ويُعيد إنتاج الضياع، يفترض الحضور ويُنتج الغياب.
استدخال أزمة الذات المراقبة والمنظور إليها
في قصة «الدائرة القصية » (ص 7) نرى كيف يتم استدخال مفهوم «النظرة» السارترية داخل البنية السردية ذاتها البطلة هيلي ، تروي أنها حياتها تُروى:
«في نيتي يقينٌ لا يدحضه الشك، بوجود عين ترقبنا» (ص 7).العين هنا (عين الآخر أو المجتمع)، صارت داخلية – جزءاً من بنية الوعي والسرد نفسه. الرواية تتحول إلى فعل مراقبة ذاتية مستمرة، مما يجعل الزمن السردي دائرياً وقصيراً: روتين يتكرر دون تقدم، كأن الزمن نفسه أصبح تحت المراقبة وفقد إمكانية الانفتاح على مستقبل أصيل هذا الاستدخال يولد إشكالية جمالية جديدة: كيف يمكن للقصة القصيرة – بطبيعتها المكثفة والمغلقة – أن تكون فضاءً لتجربة الاغتراب الدائم؟
الجواب عند الخزرجي هو أن تغلق القصة على نفسها كما تغلق الذات على نفسها: دائرة قصيرة لا تخرج منها الشخصية ولا القارئ.
الموت فضاء تأملي وليس كنهاية
في قصة «متنزه الغائبين» (ص 115) يحدث استدخال جمالي مذهل لمفهوم الموت. المقبرة تجاوزت مفهومها الأصلي وتعد مكاناً للدفن والنسيان، لقد صارت متنزهاً – فضاءً للتجوال والتأمل والانتظار هذا الانقلاب يعيد إنتاج مفهوم هايدغر عن الكينونة-نحو-الموت بصيغة سردية جديدة الموت فاق النهاية الخارجية، هو تحرر داخلي ومستمر، هو الحالة التي يعيشها الأحياء وهم يتنزهون بين القبور، يبحثون عن أنفسهم في أماكن غيابهم.
رمز الفراشات (الموجود على الغلاف وفي بعض النصوص) هو عنصر بنيوي يستدخل مفهوم التحول الهش: الفراشة تخرج من الشرنقة لتعيش لحظات قليلة ثم تموت تماماً كما يعيش الإنسان في المتنزه – موجوداً للحظة ثم غائباً هذا الاستدخال المتميز يجعل القصة القصيرة فضاءً للتأمل في الزوال كجوهر الوجود، لا كنهاية له.
استدخال أزمة التقنية والمحاكاة داخل الشكل القصصي
في بعض القصص التي تتطرق إلى الذكاء الاصطناعي والخلايا الدماغية والعوالم الافتراضية، يتم استدخال مفهوم المحاكاة عند بودريار داخل البنية السردية. الإنسان لم يعد أصيلاً، بل صار نسخة من نفسه، محاكاة بلا أصل. هذا الاستدخال ينعكس في الشكل: السرد يفقد مركزاً ثابتاً، يصبح متعدد الطبقات، متشظياً، كأن الراوي نفسه لم يعد يثق في أصالة صوته أو في أصالة الواقع الذي يرويه.
في «حجرة المرايا» (ص 57) مثلاً، المرآة لا تعكس الذات، بل تكشف أن الذات غائبة أصلاً – وهو استدخال مباشر لفكرة سارتر: «الإنسان هو ما ليس هو». الشكل القصصي هنا يصبح مرآة مكسورة: كل انعكاس يكذب الذي قبله، ولا يبقى سوى الفراغ بين الانعكاسات.
الانتظار مبدأ تركيبي وليس حدثا
الانتظار في المجموعة انتقل من كونه مجرد حالة نفسية للشخصيات، إلى مبدئ بنيوي يحكم السرد كله. في «رهان القادم» (ص 83) و«وجهة الطير» (ص 129) و«اللائذون بالظل» (ص 155)، الشخصيات تنتظر شيئاً لا يأتي – شخصاً، معنى، موتاً، خلاصاً. هذا الانتظار يصبح الزمن السردي نفسه: زمن لا يتقدم، بل يدور حول فراغ مركزي. هنا يلتقي الخزرجي مع تجربة كافكا ومع مفهوم الزمن الوجودي عند كيركيغارد: الانتظار ليس انتظاراً لشيء محدد، بل هو انتظار للوجود نفسه، انتظار لأن يحدث شيء يعيد معنى لما فقد معناه ليقدم ميثم الخزرجي في «مُتنزَّهُ الغائبين» نموذجاً متقدماً لكيف يمكن للقصة القصيرة أن تستدخل أزمات الواقع داخل بنيتها الجمالية والتركيبية والاغتراب يصبح بنية سردية (دائرة قصيرة مرايا مكسورة).
البعد الوجودي مجموعة
مجموعة «مُتنزَّهُ الغائبين» تنتمي إلى هذا النوع النادر من الأدب الذي لا يكتفي إلا بالغوص في أعماق السؤال الوجودي الأكثر إيلاماً: كيف يعيش الإنسان في عالم أصبح فيه الغياب هو الحالة الأصلية؟ العنوان نفسه هو حدث فلسفي كامل: المتنزّه فضاء مفتوح يفترض فيه الحياة واللقاء والتنفس والشمس، لكنه هنا مخصص لـ«الغائبين» – أي لمن هم جسدياً هنا وروحياً هناك، أو جسدياً هناك وروحياً ما زالوا يطاردون الأحياء كظلال لا تهدأ. هذا التناقض يذكرنا بمفهوم التناقض عند جاك دريدا لان الغياب هو تأجيل مستمر له، مما يجعل الوجود دائماً ناقصاً مشروخاً، معلقاً بين ما هو وما ليس هو.
الإهداء يأتي كإعلان مباشر يوسع هذه الرؤية إلى أبعد مدى:
«إلى إنسان هذا العالم وتداعيات اغترابه» (ص 5).
الموضوع هو الإنسان ككائن مجرد وكذلك تداعيات اغترابه – أي ما يبقى بعد أن يفقد الإنسان نفسه، ما يظل عالقاً في الهواء كدخان لا يتبدد، كظل لا يجد جسداً ينتمي إليه هذا الإهداء يجعل المجموعة بأكملها شهادة على حالة إنسانية أصبح فيها الاغتراب ليس حدثاً عارضاً، بل هو البنية الأساسية للوجود في القرن الحادي والعشرين.









