
بقلم / عزة الفشني
مضيق هرمز شريان النفط النابض أصبح فوهة بركان ثائر.. تهديدات إيرانية بإغلاقه كافية لإرسال موجات صدمة إلى قلب الإقتصاد العالمي.. فهل نحن على أعتاب حرب نفطية جديدة؟
هذا المضيق هو أحد أهم الممرات البحرية في العالم.. يعبر منه ما لا يقل عن 20% من التجارة الدولية.. وهو المنفذ الرئيسي للنفط الخليجي حيث تعتمد عليه بشكل رئيسى المصانع والآلات الحربية والعسكرية للجيوش الغربية ولأمريكا أيضاٌ.
يمكننا وصف هذا المضيق بشكلٍ أكثر دقة لنعلم مدى أهميته للعالم فهو ذاك الممر المائي الضيق الذي يفصل بين الخليج العربي وخليج عمان. أصبح على مدى العقود الأخيرة ساحة للصراع الدولي.. حيث تتركز عليه الأنظار كأحد أهم شرايين النفط العالمية.. يمر من خلاله أكثر من خمس إنتاج النفط العالمي.. مما يجعله هدفاً إستراتيجياٌ لأية قوةٍ تسعى للتحكم في سوق الطاقة. وفي ظل التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران برزت تهديدات إيرانية بإغلاقه فى حال حدوت هجوم أمريكى على طهران.. مما يضع العالم على حافة الخطر ويهدد بزعزعة إستقرار الإقتصاد العالمي.
– مضيق هرمز شريان حياة لإقتصاد أوروبا والخليج
إذا اتخذت إيران هذه الخطوة بإغلاق ذاك المضيق فلم يكن رد عسكري بل ورقة إستراتيجية أخطر من أي صاروخ لأنها تضرب في العمق الإقتصادي العالمي وتكشف أن النظام العالمي نظام هش ومتعلق بشريان واحد من بضع كيلومترات في الخليج.
والمفارقة أن الغرب الذي كان دائماً ما يهدد إيران بالعقوبات هو نفسه الذي من الممكن أن يحاصر اقتصادياٌ الآن
إن إغلاقه سيجعل من أوروبا التي هي آخر اهتمامات ترامب بقراره ضرب إيران بركان يغلي كون هذا المضيق شريان حياه لإقتصاد اوروبا والخليج معاً
هذا يعتبر فتح باب حرب جديدة مع أوربا لذالك لا أستبعد ضرب السفن الحربية الإيرانية في مضيق هرمز إذا استمرت التهديدات الإيرانية باغلاق المضيق أمام ناقلات النفظ الأوروبية.. فضلاٌ عن إن غلق المضيق سيعجل بضرب أيران بقوة من قبل حلف الناتو
جدير بالذكر أن معظم دول الخليج لديها منافذ بديلة عن طريق السعودية وعمان بالإضافة إلى إعطاء حجة لباقي الدول المتضررة أن تصبح ضدهم.. مما يضعنا أمام سؤال هام هل ستسمح هذه الدول بإغلاق مضيق هرمز وتوقف تجارتهم بالنفط وتعطل إقتصادهم؟
وللعلم مضيق هرمز مضيق دولي وليس من حق الدولة الساحلية ايران إغلاقه بوجه الملاحة الدولية وستتحمل مسؤوليتها الدولية وما يترتب عليها من ضرر دولي وفق قواعد القانون الدولي العام في حال نفذت قرار إغلاقه بالفعل.
من البديهى أن إيران بهذا القرار ستعلن الحرب على كل دول العالم ومن الجائز أيضاً أن نجد الصين تقوم بضرب إيران لأنها تعتمد بشكل مباشر على هذا المضيق.
للأسف إيران في طريقها للإنهيار لأنها مهما كانت قوية وشجاعة ولديها مبدأ لكن الكثرة تغلب في النهاية.
إيران فى موقف ضعف تحارب أكتر من خمس دول بمفردها دون مساعدة حقيقية من كل الدول الحليفة و بسماء مفتوحه علي مصراعيها دون حماية ودون طيران قادر علي الرد.
من المؤكد أن أمريكا تنصب فخاٌ لإيران بغلق مضيق هرمز لاكتساب عداء عالمي وخليجي ضد إيران وأكثرهم يقفون علي الحياد كي تضرب إيران ضربة قاسمة ومعها حلف عالمي.. فى جميع الأحوال من الأفضل لإيران جعل مضيق هرمز ورقة ضغط فقط دون تنفيذ.
من الناحية النظرية أظن أنه من غير المعقول أن يكون ترامب قد أمر بقصف إيران دون تنسيق مسبق مع قوى كبرى مثل روسيا وكوريا الشمالية.. ترامب ليس غبياٌ لهذه الدرجة بل هو معروف بأنه يفكر بذكاء إستراتيجي ويفضل التحركات المفاجئة المبنية على حسابات دقيقة لذلك من المحتمل جداٌ أنه تحدث مع بوتين بشكل غير مباشر أو عبر قنوات دبلوماسية خلفية وتفاهم معه على ألا تتدخل روسيا في حال الهجوم على طهران.. وربما بدوره تواصل بوتين مع كوريا الشمالية أو على الأقل أعطاها إشارات كي تلتزم الصمت.. الهدف من هذه الإتصالات هو عزل إيران دبلوماسياٌ وعسكرياٌ وضمان ألا تتفاجأ أمريكا برد دولي جماعي.. وخير دليل على ذلك هو الصمت الروسي والكوري الشمالي بتهديد واشنطن بضرب إيران يعزز هذه الفرضية ويشير إلى أن ما حدث لم يكن مجرد قرار أمريكي انفرادي بل عملية محسوبة تمت بعد تفاهمات ضمنية بين الكبار والأيام سترينا ما دار على طاولة المفاوضات وخلف الأبواب المغلقة.
ما يحدث الآن ليس مجرد تصعيد بل نقطة مفصلية في تاريخ العالم.
السؤال هنا إذا افترضنا جدلاٌ عدم حدوت اتفاق وتنسيق بين الدول الكبرى هل النظام العالمي بالفعل لديه جاهزية لكى يتحمل حرب كبيرة في ظل أزمات إقتصادية ومجاعات وصراعات مفتوحة مثل الذى يحدث في أوكرانيا وتايوان والساحل الإفريقي المشحون حالياٌ؟
أما إذا تحدثنا على أرض الواقع أعتقد أن الحرب الكبري غير واردة لسببين الأول أن الضربات الاولي في أول ساعات حرب إيران مع إسرائيل ألحقت خسائر كبيرة بإيران من ناحية مخزون الصواريخ ومنصات إطلاقها غير خسارة اكتر من ٣٠ من القيادة العسكرية ونحو ٢٠ عالم نووي فهي عسكرياٌ لا تستطيع مجابهة الغرب المتطور والمتسلح والممول بتريليونات الدولارات من الخليج لهذه الحرب وإيران ليست حليفاٌ عسكرياٌ مع أية دولة فهي بمفردها أمام الغرب
ثانياٌ أكثر الدول تأثراٌ بغلق المضيق هي الصين والتي يمكن إعتبارها الداعم الوحيد لإيران سياسياٌ إلى الآن ولكن غير مثبت دعمها عسكرياٌ
وربما سبب ثالث وهو نقل إيران اليورانيوم المخصب لمكان غير معلوم وبالتالي يمكنها إستعادة البرنامج بشكل أسرع من لو كان تم تدميره بالكامل
أعتقد أن إيران ليست بهذا الغباء لتقلب عليها دول العالم إذا قامت بإغلاق مضيق هرمز.. لكن من الممكن أن يكون إغلاق المضيق جزئياٌ فقط.. أى منع أي شي يخص الولايات المتحدة وإسرائيل من العبور من أجل تطبيق الفكرة بصورة أفضل ونتائج أضمن وعدم جر باقي دول العالم للتصعيد بسبب المساس بمصالحها في المنطقه.
مثلما فعل الحوثيين تماماٌ مع أي شيء يخص إسرائيل.
بكل تأكيد إن المتأثر الرئيسي الحقيقي للاغلاق هى أوروبا والصين بشكل جزئي. أما أمريكا فقد أوقفت اعتمادها على البترول الخليجي منذ زمن.. فالإغلاق حقيقة سيخدم المصالح الأمريكية ويجعلها تمسك بعنق أوروبا لأنه لن يبقى لها خيار بعد إيقاف مد الطاقة الروسي إلا الخليج.. مما يجعل أوروبا تركع أمام أمريكا وتفقد استقلالها تماماً وهو ما يريده ترامب بالفعل.
غلق مضيق هرمز له حسابات دقيقة يجب أخذها منها أن هذا الإجراء سيؤثر حتماٌ على حلفاء إيران وأولهم الصين وغيرها لذا أخذ هكذا قرار يحتاج لحكمة وحسابات كثيرة وهو ورقة فاعلة جدا في هذه الحرب
– غلق مضيق هرمز و تأثيره على مصر
قطعاٌ ستتأثر مصر جراء إغلاق مضيق هرمز والسبب أن مصر تقوم بإستيراد نسبة كبيرة من الوقود من دول الخليج.. مما يعنى أن أي تعطيل يساوي على الفور نقص في البنزين والسولار وزيادة في الأسعار.. كما أن أية شاحنات تأتى من الخليج بها منتجات بترولية ومواد صناعية ومع الإغلاق ستشهد الأسواق المصرية إرتفاع جنونى في أسعار جميع المنتجات.
ليس هذا فقط بل سيزيد الدولار مقابل الجنيه المصري بسبب الطلب العالمي على النفط.. وبالتالى سيرتفع التضخم.. وفى المقابل ميزانية الدولة سيتم ضغطها أكتر.
لكن فى المقابل هناك جانب إيجابي يعود على مصر بالنفع من غلق ذلك الممر.. فمن الممكن أن تستفيد قناة السويس مؤقتاٌ بمرور السفن التى كانت تمر عبر هذا المضيق.. لكن هذا الجانب لا يمكن أن يعوض ذاك التأثير السلبي الكبير على الإقتصاد المحلي.
إن إغلاق مضيق هرمز ليس كارثة عالمية.. بل أيضاٌ هزة كبيرة لمصر والمنطقة برمتها.
مما لا شك فيه أن التصعيد الذى يحدث حالياً بين واشنطن وطهران هو بداية نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة أخرى غير واضحة الملامح لكنها أكيد لن تكون مستقرة.. فمن الأفضل ألا تتورط إيران في زيادة دائرة الصراع بينها وبين الغرب بغلق المضيق.
خاصةٌ أن العالم اليوم أمام مفترق طرق خطير والتصعيد الحالي قد يكون البداية لواحدة من أكبر الأزمات منذ عقود.. الفترة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان ممكناً تجنب حرب إقليمية عالمية.. أو أننا سنشهد سيناريو مشابهاٌ للحرب العالمية الثانية.
في النهاية: يظل مضيق هرمز نقطة الإشتعال التي تهدد بتحويل التوترات الجيوسياسية إلى أزمة عالمية.. فإغلاقه قد يغرق العالم في أزمة طاقة غير مسبوقة.. ويفتح الباب أمام فرص جديدة لإعادة هيكلة سوق الطاقة العالمي.. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة.. يبقى السؤال الأهم: هل ستجرؤ إيران على إغلاق مضيق هرمز أم ستتراجع أمام الضغوط الدولية؟ الإجابة قد تكون في يد القوى العظمى، لكن الواقع يقول.. أن النفط هو لغة الصراع والتحكم فيه هو مفتاح القوة.







