
د. علي زين العابدين الحسيني
منذ أن وطئتُ طريق العلم أول مرة، أدركتُ -بوعيٍ متدرّج لا دفعةً واحدة- أن المعرفة لا تُنال بالقراءة الفردية وحدها، ولا تُستكمل في عزلة الباحث عن محيطه، مهما اتّسعت مكتبته أو طال زمن اشتغاله. وقد نشأت لديّ، مع مرور السنوات، قناعة راسخة بأن العلم حوارٌ قبل أن يكون تحصيلًا، وأن الأفكار إن لم تُختبر في ساحات النقاش، وتُعرض على عيونٍ متعددة المشارب، بقيت ناقصة النمو، محدودة الأثر. ومن هنا كان تعلّقي بالمؤتمرات العلمية والندوات الفكرية، لا بوصفها أنشطة هامشية، وإنما باعتبارها محطاتٍ أصيلة في التكوين العلمي، ومفاصل حقيقية في تشكّل الرؤية والمنهج.
وحين يُذكر العلم وتداول المعرفة، لا يمكن أن نغفل عن الدور الكبير الذي تلعبه المؤتمرات والندوات في رفد هذه المسيرة؛ لأنها مناسبات تُوثَّق في التواريخ، ومنابر تُضاء فيها العقول، ومجالس تتلاقى فيها الأفكار، ومواسم تُزهر فيها العلوم. وكم تبدو المؤتمرات الفقهية والأدبية نموذجًا حيًا لهذه الحياة المعرفية المتجددة، إذ تمتاز بما تحمله من دراسات حديثة تجمع بين التحليل العميق والنقد البنَّاء، فتغدو أشبه بمختبرات معرفية تتجلى فيها خلاصة العقول.
يلتقي في هذه المحافل الشرق بالغرب، وتتصل أقطار العالم المتباعدة، لتتبادل العقول زادها الفكري وخبراتها الأكاديمية. هنا، لا يتحدث كل عالم أو أديب من برجه العاجي، لكن ينخرط الجميع في حوار يهدف إلى الكشف عن المستجدات العلمية، واستعراض المنجزات الفكرية التي أنجزها الآخرون. وهذا التلاقي ضرورة يفرضها عصر المعرفة الذي لا يمكن فيه للمرء أن يعيش بمعزل عن غيره.
وما يميز هذه المؤتمرات والندوات أنها لا تُعنى فقط بتقديم الجديد، وإنما تُعطي كذلك فرصة للتقييم وإعادة النظر. فكل دراسة تُطرح، وكل بحث يُناقش، يمر من بوابة النقد؛ لإعادة بنائه على أسس أكثر متانة، وليس لهدمه أو القضاء عليه، ولا يكون الحضور حينئيذٍ مستمعين فقط، وإنما يُشاركون في صياغة الفكر وتوجيه مساره.
ولعل أجمل ما في هذه المحافل، أنها تجمع بين التنظير والتطبيق؛ فهي ميادين تخرج منها المبادرات والرؤى التي تُترجم لاحقًا إلى مشاريع علمية وأدبية حقيقية. وفي تلك اللحظات التي يتبادل فيها العلماء والأدباء أطراف الحديث، تنشأ علاقات لا تُقاس بمدتها، بل بما تُثمره من دراسات مستقبلية تُثري الحقول العلمية والفكرية.
فإن قيل: ما قيمة المؤتمرات؟ قلت: إنها مدارس تبدو عابرة للحدود، تتجاوز قيود الجغرافيا والزمن والعادات، لتجمع بين أصحاب العقول والهمم، وساحات يُقدَّر فيها الإنسان بعلمه وفكره، لا بجنسيته أو لقبه. وهي، في نهاية الأمر، تُثبت أن التقدم الحقيقي لا يكون إلا بالتواصل، وأن الفكر لا يزدهر إلا حين يُنقِّب في أرصدة الآخرين ويُضيف إليها. وهكذا، تظل المؤتمرات والندوات علامات فارقة في مسيرة الحضارة الإنسانية، ومرايا تعكس روحها الباحثة عن المعرفة والتجديد.
وقد شكّل حضوري لهذه المؤتمرات والندوات جزءًا مهمًا من مسيرتي العلمية؛ فكنتُ فيها تلميذًا حينًا، ومشاركًا حينًا آخر، ومُصغيًا ناقدًا في كل الأحوال. ولم تكن القيمة الحقيقية لتلك المشاركات في عددها، بقدر ما كانت في أثرها العميق في تهذيب المنهج، وتوسيع الأفق، وكسر وهم الاكتفاء الذاتي الذي قد يتسلّل إلى الباحث في مراحل معيّنة من عمره العلمي.
ومع كل تجربة من هذه التجارب، ازددت يقينًا بأن العلم يُقاس بما يُنقَح في المجالس، ويُهذَّب في الحوار، ويُنضَج بالاختلاف الرشيد. ولذلك كانت هذه المحافل بالنسبة إليّ مدارس مفتوحة متجددة المعارف، تعلّمت فيها أدب الخلاف، واحترام التخصّص، والتمييز بين ما هو قطعي وما هو اجتهادي، وبين الفكرة وصاحبها.
وهكذا، أستطيع القول إن المؤتمرات والندوات لم تكن هامشًا في سيرتي العلمية، وإنما كانت أحد روافدها الأساسية، وميدانًا من ميادين التشكّل الفكري، أسهم في صياغة رؤيتي للعلم بوصفه رسالة جماعية، ومسؤولية أخلاقية، وسعيًا دائمًا نحو الحقيقة.
