
بقلم: السفير / يوسف مصطفى زاده
عضو المجلس المصرى للشؤون الخارجية
مقدمة: السياق الجيوسياسي والتحديات الأمنية
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة في عام ٢٠٢٥، مع تصاعد التوترات الإقليمية الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية، التهديدات الإيرانية عبر وكلائها، وتراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية. الاعتداء الإسرائيلي على قطر في ٩ سبتمبر حيث استهدفت غارات جوية مقرًا لحركة حماس في الدوحة، أسفر عن مقتل ستة أشخاص، بما في ذلك ضابط قطري، دون تدخل القاعدة الأمريكية في العديد، التي تعد الأكبر في المنطقة. هذا الحدث يعكس نمطًا سابقًا، حيث فشلت الولايات المتحدة في صَدّ هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على أهداف مدنية واقتصادية في السعودية والإمارات بين ٢٠١٩ و ٢٠٢٢.
بالإضافة إلى ذلك، يستمر احتلال إسرائيل لأراضٍ في سوريا (هضبة الجولان) ولبنان (مزارع شبعا)، مع استفزازات متكررة لمصر والأردن عبر خطط الضم في الضفة الغربية، مما يعزز انعدام الثقة في الدور الأمريكي كضامن أمني.
في هذا السياق، تسعى الدول الخليجية، وخاصة السعودية، إلى تنويع شراكاتها الأمنية بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة. يبرز التعاون الأمني السعودي-الباكستاني كمحور استراتيجي، مدعومًا بتاريخ طويل من العلاقات العسكرية والاقتصادية. في المقابل، تواجه إيران تحديات في توسيع نفوذها بسبب تصرفات وكلائها (الحوثيون وحزب الله) وسياساتها العدائية. يهدف هذا التحليل إلى تقييم هذا التعاون، استكشاف قدرة الولايات المتحدة على تعطيله، وتحليل احتمالات إيران في توطيد علاقاتها مع الدول العربية.
القسم الأول: تقييم التعاون الأمني السعودي-الباكستاني
خلفية تاريخية للتعاون
التعاون الأمني بين السعودية وباكستان يمتد لعقود، حيث شكّل باكستان ركيزة أمنية للسعودية منذ السبعينيات. خلال الحرب الباردة، دعمت السعودية باكستان ماليًا وسياسيًا، بما في ذلك تمويل برنامجها النووي في الثمانينيات، مقابل نشر قوات باكستانية لحماية الحدود السعودية خلال حرب الخليج الأولى (١٩٨٠ – ١٩٨٨). كما استضافت السعودية آلاف الجنود الباكستانيين لحماية المنشآت الحيوية، بما في ذلك المواقع المقدسة في مكة والمدينة. في المقابل، قدمت باكستان تدريبًا عسكريًا متقدمًا للقوات السعودية، مما عزز القدرات الدفاعية للمملكة.
في عام ٢٠١٥، عندما طلبت السعودية دعمًا عسكريًا مباشرًا من باكستان في حربها ضد الحوثيين في اليمن، رفض البرلمان الباكستاني إرسال قوات قتالية، لكنه وافق على تقديم دعم لوجستي وتدريبي. هذا القرار عكس حساسيات داخلية في باكستان، خاصة التوازن بين علاقاتها مع السعودية وإيران. ومع ذلك، بحلول عام الجارى ، تغيرت الديناميكيات الإقليمية بشكل كبير، مما دفع الرياض وإسلام آباد إلى تعميق التعاون.
اتفاقية الدفاع المتبادل الاستراتيجي (٢٠٢٥)
في ١٧ سبتمبر ، وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف “اتفاقية الدفاع المتبادل الاستراتيجي”، التي تعد خطوة غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين. تنص الاتفاقية على اعتبار أي اعتداء على أحدهما اعتداءً على الآخر، مع التزامات مشتركة تشمل:
التعاون العسكري المشترك: نشر قوات باكستانية على الحدود السعودية-اليمنية، مع تقديرات تشير إلى نشر ٢٥ ألف جندي لحماية المنشآت الحيوية ومواجهة تهديدات الحوثيين.
نقل التكنولوجيا الدفاعية: باكستان ستوفر تكنولوجيا صاروخية متقدمة وطائرات بدون طيار، بينما تستثمر السعودية في تطوير الصناعات الدفاعية الباكستانية.
التدريب والاستخبارات: تبادل المعلومات الاستخباراتية وإجراء مناورات عسكرية مشتركة لتعزيز الجاهزية.
المظلة النووية: على الرغم من عدم الإعلان الرسمي، تشير تقارير إلى أن باكستان قد توفر “مظلة نووية” غير مباشرة للسعودية، مما يعزز الردع ضد إيران أو إسرائيل.
هذه الاتفاقية تُعتبر “معلمًا تاريخيًا”، حيث تمنح السعودية عمقًا استراتيجيًا في مواجهة التهديدات الإقليمية، بينما توفر لباكستان دعمًا اقتصاديًا حيويًا في ظل أزمتها المالية المستمرة. يُقدر أن السعودية تعهدت باستثمارات بقيمة ١٠ مليارات دولار في باكستان، تشمل مشاريع دفاعية وبنية تحتية.
نقاط القوة في التعاون
القدرات العسكرية الباكستانية: يمتلك الجيش الباكستاني، الذي يُعد من أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، خبرة قتالية واسعة في حروب الحدود ومكافحة الإرهاب، مما يجعله شريكًا مثاليًا للسعودية في مواجهة تهديدات غير تقليدية مثل الحوثيين.
القوة النووية: امتلاك باكستان ترسانة نووية يعزز الردع الاستراتيجي للسعودية، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية المتصاعدة.
التكامل الاقتصادي: السعودية، بثروتها النفطية، توفر دعمًا ماليًا حيويًا لباكستان، مما يعزز الاستدامة الاقتصادية للتعاون.
الثقة المتبادلة: الروابط الدينية والثقافية بين البلدين، إلى جانب تاريخ التعاون الطويل، تجعل الشراكة أكثر متانة مقارنة بالتحالفات مع قوى غربية.
التحديات والقيود
الحياد الباكستاني: باكستان تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، مما قد يحد من انخراطها في صراعات مباشرة مع وكلاء طهران.
الضغوط الداخلية في باكستان: الأزمات السياسية والاقتصادية في باكستان قد تعيق تنفيذ الاتفاقيات، خاصة إذا واجهت الحكومة معارضة داخلية لنشر قوات كبيرة في الخارج.
الاعتماد على الصين: العلاقة الوثيقة بين باكستان والصين قد تثير مخاوف السعودية، خاصة إذا حاولت بكين التأثير على قرارات إسلام آباد.
تقييم شامل
التعاون الأمني السعودي-الباكستاني يُقيَّم كخطوة استراتيجية ناجحة تعكس التحول الجيوسياسي في المنطقة. يعالج الاتفاق الفراغ الأمني الناتج عن تراجع الثقة في الولايات المتحدة، ويوفر للسعودية ردعًا متعدد الأبعاد ضد التهديدات الإسرائيلية والإيرانية. كما أنه يفتح الباب أمام توسيع التحالف ليشمل دولًا أخرى مثل مصر أو تركيا، مما قد يؤدي إلى تشكيل “ناتو إسلامي”، كما وصفه بعض المحللين. ومع ذلك، يتطلب النجاح المستمر لهذا التعاون إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية والداخلية في باكستان.
القسم الثاني: هل يمكن للولايات المتحدة تعطيل التنسيق السعودي-الباكستاني أو توسعته؟
تراجع الثقة في الدور الأمريكي
تراجعت مصداقية الولايات المتحدة كضامن أمني في الخليج بشكل كبير بحلول عام 2025. الاعتداء الإسرائيلي على قطر دون تدخل أمريكي، رغم وجود قاعدة العديد التي تستضيف أكثر من ١٠ آلاف جندي أمريكي، أثار تساؤلات حول التزام واشنطن بحماية حلفائها. هذا الحدث يُضاف إلى سجل سابق من عدم التدخل، مثل هجمات الحوثيين على منشآت أرامكو في ٢٠١٩ ، التي ألحقت أضرارًا اقتصادية كبيرة دون رد عسكري أمريكي مباشر. كما أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في ٢٠٢١ وتركيزها المتزايد على التنافس مع الصين في منطقة المحيط الهادئ، عزز الانطباع بأن الخليج لم يعد أولوية استراتيجية لواشنطن.
أدوات الولايات المتحدة للتعطيل
الولايات المتحدة تمتلك أدوات محتملة لتعطيل التنسيق السعودي-الباكستاني أو الحد من توسعته، لكن فعاليتها محدودة:
العقوبات الاقتصادية: يمكن لواشنطن فرض عقوبات على باكستان، التي تعتمد على المساعدات المالية الدولية، خاصة من صندوق النقد الدولي، حيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ كبير. ومع ذلك، الدعم المالي السعودي والصيني لباكستان يقلل من فعالية هذه العقوبات.
الضغط العسكري: قد تحاول الولايات المتحدة تقييد مبيعات الأسلحة أو الصيانة للمعدات العسكرية السعودية، التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأمريكية (مثل طائرات إف-١٥ وأنظمة باتريوت). لكن السعودية بدأت في تنويع مصادر تسليحها، مع صفقات مع الصين (طائرات بدون طيار) وروسيا (أنظمة إس-٤٠٠).
التأثير الدبلوماسي: قد تستفيد واشنطن من العلاقة الوثيقة بين إسرائيل والهند، منافس باكستان التاريخي، للضغط على إسلام آباد. الهند، التي وقّعت اتفاقيات دفاعية مع إسرائيل، قد تعمل كوكيل غير مباشر لتعطيل التعاون السعودي-الباكستاني.
العوامل التي تحد من قدرة الولايات المتحدة
الاستقلال الاستراتيجي السعودي: السعودية، تحت قيادة محمد بن سلمان، تتبنى سياسة “التوازن الاستراتيجي”، مع تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا. صفقات الأسلحة الصينية، مثل صواريخ باليستية، تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة.
الدعم الصيني لباكستان: باكستان، كجزء من “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”، تحظى بدعم بكين، التي ترى في التعاون السعودي-الباكستاني فرصة لمواجهة النفوذ الأمريكي. الصين قد تقدم ضمانات مالية وعسكرية لتثبيت هذا التحالف.
الديناميكيات الإقليمية: الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بما في ذلك على قطر، تدفع الدول الخليجية نحو تعزيز التحالفات المستقلة، مما يجعل الضغط الأمريكي أقل فعالية.
احتمالات التوسع
توسيع التعاون السعودي-الباكستاني ليشمل دولًا أخرى، مثل مصر أو تركيا، يبدو محتملًا للغاية. مصر، التي تواجه تهديدات إسرائيلية غير مباشرة عبر خطط الضم، قد تنضم إلى تحالف دفاعي إقليمي. تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تسعى لتعزيز نفوذها في العالم الإسلامي، وقد وقّعت اتفاقيات عسكرية مع السعودية في ٢٠٢٤.
هذا التحالف الثلاثي (السعودية-باكستان-تركيا) قد يشكل نواة لتحالف إقليمي أوسع، مما يقلل من قدرة الولايات المتحدة على التدخل.
تقييم الاحتمالات
الولايات المتحدة تمتلك أدوات للضغط، لكن قدرتها على تعطيل التنسيق السعودي-الباكستاني محدودة بسبب التحولات الجيوسياسية وتنويع الشراكات السعودية. من المرجح أن يستمر توسع هذا التعاون، خاصة مع زيادة التهديدات الإسرائيلية والإيرانية، وتراجع الثقة في واشنطن.
القسم الثالث: هل يمكن لإيران توطيد تعاونها مع الدول العربية قريبًا؟
السياسة الإيرانية ومحور المقاومة
تعتمد إيران على استراتيجية “محور المقاومة”، التي تشمل دعم الحوثيين في اليمن، حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، لتوسيع نفوذها في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية أدت إلى عزلة متزايدة بحلول ٢٠٢٥، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في أواخر العام المنصرم مما قلّص قنوات إيران اللوجستية إلى حزب الله. كما أن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، التي استهدفت السفن التجارية منذ عامين، أضرت بالاقتصادات العربية، خاصة مصر، التي شهدت انخفاضًا في إيرادات قناة السويس بنسبة تصل إلى ٥٠%.
الحوثيون وحزب الله كعوامل تعطيل
الحوثيون: في ٢٠٢٥، كثّفت إيران دعمها للحوثيين، بما في ذلك تزويدهم بصواريخ باليستية وطائرات بدون طيار متقدمة. هذه الهجمات استهدفت منشآت نفطية في السعودية والإمارات، مما زاد من العداء العربي تجاه إيران. على سبيل المثال، هجوم الحوثيين على ميناء رأس تنورة في ٢٠٢١ أظهر قدرتهم على تعطيل الأمن الاقتصادي الخليجي.
حزب الله: على الرغم من ضعفه بعد التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسقوط الأسد، يواصل حزب الله استهداف المصالح العربية غير المباشرة عبر دعم الميليشيات في العراق وسوريا. لكن هذا الدعم أثار استياءً في الأردن ومصر، التي ترى في حزب الله تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
العوامل التي تعيق التعاون الإيراني-العربي
العداء التاريخي: العلاقات بين إيران والدول الخليجية، خاصة السعودية والإمارات، مشحونة بالتوتر بسبب الخلافات الطائفية والتنافس على النفوذ الإقليمي.
فشل الدبلوماسية: على الرغم من محاولات إيران للتقارب مع قطر وعُمان، فإن هذه الدول تظل حذرة بسبب دعم طهران للجماعات المسلحة. اتفاق التطبيع السعودي-الإيراني في ٢٠٢٣، بوساطة الصين، لم يترجم إلى تعاون أمني ملموس.
التهديدات الاقتصادية: هجمات الحوثيين في البحر الأحمر أضرت بالتجارة العالمية، مما أثر سلبًا على الاقتصادات العربية، خاصة مصر، التي تعاني من أزمة اقتصادية.
احتمالات التعاون
احتمالات توطيد إيران تعاونها مع الدول العربية قريبًا تبدو ضئيلة للغاية. الدول الخليجية، بقيادة السعودية، تركز على تعزيز آليات الدفاع المشترك ضمن مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى التحالفات مع باكستان وتركيا. مصر والأردن، اللتين تواجهان استفزازات إسرائيلية، تميلان إلى التعاون مع الدول السنية بدلاً من إيران. حتى قطر، التي حافظت على علاقات دبلوماسية مع طهران، أصبحت أكثر حذرًا بعد الاعتداء الإسرائيلي عليها، مما دفعها لتعزيز تحالفاتها مع الدول العربية الأخرى.
السيناريوهات المستقبلية
سيناريو الحوار المحدود: قد تحاول إيران إعادة إحياء الحوار مع دول مثل قطر أو العراق، لكن هذا الحوار سيبقى دبلوماسيًا ولن يتطور إلى تعاون أمني بسبب التناقضات الاستراتيجية.
التصعيد المستمر: إذا واصلت إيران دعم وكلائها، فقد يؤدي ذلك إلى عزلة أكبر، خاصة إذا نجحت السعودية في بناء تحالف إقليمي قوي.
الوساطة الصينية: الصين، التي توسطت في اتفاق ٢٠٢٣، قد تحاول دفع إيران والدول العربية نحو حوار أوسع، لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على تراجع إيران عن دعم الجماعات المسلحة.
الخاتمة
التعاون الأمني السعودي-الباكستاني يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في الشرق الأوسط، مدفوعًا بتراجع الثقة في الولايات المتحدة وزيادة التهديدات الإسرائيلية والإيرانية. اتفاقية الدفاع المتبادل لعام ٢٠٢٥ توفر للسعودية ردعًا قويًا، مع إمكانية توسيع التحالف ليشمل دولًا أخرى، مما يعزز الاستقلال الاستراتيجي العربي. الولايات المتحدة، رغم امتلاكها أدوات للضغط، تواجه قيودًا كبيرة بسبب تنويع السعودية لشراكاتها والدعم الصيني لباكستان. في المقابل، فإن احتمالات توطيد إيران تعاونها مع الدول العربية ضعيفة للغاية، حيث تعيقها سياساتها العدائية ودعمها لوكلاء مثل الحوثيين وحزب الله. في النهاية، يُعيد التعاون السعودي-الباكستاني تشكيل الأمن الإقليمي، مما يعزز مكانة السعودية كقوة رائدة في مواجهة التحديات المستقبلية.
الحقيقة أنه اتفاق هام بين البلدين رغم أن الدولتين لا ينتجا أسلحتهما باكتفاءا ذاتيا ، و تلك هى الثغرة الأساسية فى مثل تلك الاتفاقيات .







