
بقلم / العربى اسماعيل
يمثّل الميراث في شريعتنا وقوانيننا حقاً إلهياً مقدساً، وقسْمة عادلة وضعها الخالق بحكمة بالغة، لا يجوز لأحد أن يتدخل فيها أو يعطّل أحكامها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه” (رواه الترمذي). لكن، في كثير من مجتمعاتنا، تُواجِه المرأة عقبة كبرى في الحصول على هذا الحق الشرعي، حيث يُسلَب منها ميراثها باسم “العيب” أو تحت ستار الأعراف والتقاليد البالية التي لا تمتّ للدين بصلة.
الأعراف في مواجهة الشرع: “العار” والمطالبة بالحق
في بعض المجتمعات، وخاصة الريفية والقبلية، تُنشّأ البنت على أنَّ المطالبة بحقها في الميراث، وبالأخص الأراضي والعقارات، هو “عار” أو “قلة حياء” أو “تفكيك لأواصر العائلة”. يتمّ استغلال عاطفة المرأة وحياءها وحرصها على صلة الرحم لتتنازل عن حقها طوعاً أو كرهاً. وتكون الذريعة الأبرز في ذلك:
خروج المال عن العائلة: الخوف من أن ينتقل نصيب البنت، خاصة في الأراضي، إلى زوجها (الصهْر) “الغريب” وبالتالي يخرج من ملكية العائلة أو العشيرة.
الحفاظ على اسم الأب: وجود فكرة خاطئة بأن البنت “لا تورث اسم أبيها” وأنها ستذهب لبيت زوجها، مما يجعل الإخوة الذكور يرون أنفسهم الأحق بالاحتفاظ بكامل التركة.
تجنّب الخصام: خوف المرأة من إعراض إخوتها ومقاطعتهم لها، وما يتبع ذلك من كلام الناس، فتخضع للعرف والعادات مرغمة، مفضلةً السلامة الاجتماعية على الحق المادي.
هذه الممارسات هي في حقيقتها جاهلية جديدة، وتعدٍّ صارخ على حدود الله تعالى؛ فليس بعد حكم الله ورسوله رأي أو عادة.
أساليب سلب الميراث المسلوب
لا يقتصر سلب الميراث على الإكراه المباشر، بل يتخذ أشكالاً ملتوية تستغل طيبة المرأة وجهلها بآليات القانون:
”الرضوى” أو “الترضية”: وهي إعطاء المرأة مبلغاً مالياً زهيداً مقابل تنازلها عن كامل حصتها في الأراضي أو العقارات، وغالباً ما يتم ذلك بإلحاح من الأب قبل وفاته أو من الإخوة بعده، تحت ضغط عاطفي وعائلي.
التحايل القانوني: مثل قيام الأب (المُورِّث) بتسجيل العقارات أو الأراضي بأسماء الذكور فقط عن طريق “البيع الصوري” قبل وفاته، أو تقسيم الميراث بين الذكور في حياته بطريقة لا تضمن حقوق الإناث، مما يجعل إثبات حقها القانوني أمراً بالغ الصعوبة.
العنف الاجتماعي: تتعرض المرأة التي تجرؤ على المطالبة بحقها للنبذ، والتجريح، وربما التعنيف اللفظي أو الجسدي، إذ تُعتبر “خارجة عن الأعراف”، مما يدفع كثيراً من النساء إلى إيقاف الشكاوى خوفاً من ذويهن.
الواجب الديني والقانوني
إن حرمان المرأة من ميراثها هو من أكل المال بالباطل ومن أعظم الظلم، وقد توعّد الله آكلي أموال اليتامى والنساء بغير حق بالعذاب الشديد. الشرع واضح في هذا الأمر: للمرأة ذمّة مالية مستقلة، وحقها في الميراث لا يسقط إلا بالتنازل الصريح الرشيد عن طيب خاطر دون ضغط أو إكراه.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهوداً متكاملة:
التوعية الدينية: تذكير الناس بحدود الله وأنّ تقسيم الميراث أمر إلهي لا يخضع للعرف.
التثقيف القانوني: تعريف النساء بحقوقهن وبإجراءات المطالبة بها، وضرورة وجود جهات إصلاحية غير قضائية تكون سهلة الوصول إليها.
التفعيل القانوني: تشديد العقوبات على حارمي الميراث وتسهيل الإجراءات القضائية، كما بدأت بعض التشريعات العربية الحديثة تفعل.
إن الميراث المسلوب باسم “العيب” هو في الحقيقة عيب على المجتمع، ويجب أن يرتفع صوت الحق ليُردّ الحقوق لأصحابها، حتى لا يكون التمسك بالشرع هو “العار” والتمسك بالعادات الجاهلية هو “الصواب”.








