
فاطمة المصري
الأخوة نعمة كبيرة من الله سبحانه وتعالى، خاصة عندما يكون الإخوة والأخوات سندًا لبعضهم بعضًا.
قد تشغلهم الحياة، وتُبعدهم المسافات، لكن وقت الشدة تجدهم أول من يقف إلى جوارك، ويمنحونك الطمأنينة والقوة. تلك هي العلاقات الآمنة التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على تحمُّل الصعاب.
منهم من يحفزك ويشجعك لتتقدم وتنجح، ومنهم من يهون عليك ويحنو عليك، ومنهم من يفعل أي شيء فقط ليرى الابتسامة على وجهك. والأخ الحقيقي هو من يفرح لفرحك ويحزن لألمك، ولا يحتاج إلى موعد ليتحدث معك؛ فعندما تحتاج إليه تراه بجانبك. قال الله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.
وهناك سر لا يعرفه إلا من له إخوة حقيقيون؛ فالأخ ليس مجرد شخص في العائلة، بل هو ذاكرة بيتك الكاملة. هو الوحيد الذي يتذكر كيف كانت ضحكتك وأنت طفل، وكيف كان خوفك في أول يوم دراسي، ورائحة مطبخ والدتك في رمضان، وصوت أبيك وهو يناديكم للتجمع.
وحين يرحل الجميع، يبقى الأخ هو المرآة الوحيدة التي ترى فيها طفولتك. فإذا خسرته، خسرت جزءًا من روحك لا يمكن لأحد أن يعوضه.
وتظهر أهمية هذه النعمة أكثر بعد الزواج وإنجاب الأولاد؛ فالإخوة ليسوا مجرد أفراد في العائلة، بل هم القدوة التي تعلّم أبناءنا معنى الحب وصلة الرحم. حين يرى أبناؤنا أننا نحب إخوتنا، ونسأل عنهم، ونقف إلى جانبهم، سيتعلمون هم أيضًا أن يحبوا أبناء الخال والخالة والعم والعمة، فيكبروا معًا كأصدقاء، لا كأقارب فقط.
فنحن لا نورث أبناءنا المال فقط، بل نورثهم عائلة مترابطة. فإذا حافظنا على علاقتنا بإخوتنا، نكون قد بنينا لأبنائنا سندًا آخر يكبر معهم، ويقف إلى جوارهم ويحميهم من بعدنا.
قد تتغير علاقات الرفقاء والأقارب، ويرحل عنك الكثيرون، أما الأخ أو الأخت السند فلا يرحل. فحافظ على إخوتك، وتجنب توتر العلاقة معهم، وتحاشَ الخلافات التي قد تؤثر في تلك الرابطة المقدسة.
وفي المقابل، قد تجد في العائلة أخًا أو أختًا لا يقدّر هذه النعمة، ولا يهتم بالسؤال عنك، ولا يفرح لنجاحك، بل قد يفسد عليك حياتك. فإذا اجتمعت العائلة، لا يهتم بهذا الجمع، وإن حضر افتعل المشكلات ليعكر صفوها، ولا يحترم وجود أحد.
وقد يكون همه الوحيد هو الوقيعة بين الإخوة، ونقل الحديث، وزيادة الكلمات التي تفسد المحبة، ويسعد حين تدب الخلافات ويتلذذ بها.
الأخوة نعمة وسند لمن يقدّرها. فمن له أخ أو أخت يسعد لنجاحه ويحزن لمرضه، فليتمسك به بكل ما أوتي من قوة. ومن له أخ أو أخت يؤذيه، فليتجنب أذاه، ولكن لا يقطع صلة الرحم؛ فإن صلة الرحم باب من أبواب الجنة.
صِل من قطعك، وساند من يساندك، ولو بكلمة طيبة.
هناك إخوة وأخوات، رغم أنهم لا يرون بعضهم كثيرًا، فإنك تشعر وكأنهم بجانبك دائمًا. أفعالهم الصادقة تتحدث عنهم، ومحبتهم الحقيقية تظهر حتى في غيابهم.
هنيئًا لمن له أخ أو أخت كالدواء يشفي الجراح، هينًا لينًا، وجوده له أثر كبير في النفس. ونأسف على من له أخ أو أخت كالداء، يستنزف طاقته ويسيء إليه.
في النهاية، لسنا نحن من نختار إخوتنا، لكننا نختار كيف نحافظ عليهم. فالأخوة ليست كلمة تُقال، بل هي عهد يبقى، وحب يُورث.
حافظوا على هذا العهد من أجل قلوبكم، ومن أجل أطفالكم الذين ينظرون إليكم الآن، ويتعلمون منكم كيف يكون الحب الحقيقي. فما تزرعونه اليوم في علاقتكم بإخوتكم، سيحصده أبناؤكم غدًا محبةً وأمانًا لا ينتهيان.








