
يكتبها : محمد فيض خالد
امتلا الدرب بأصوات الزغاريد، وطفرت من الوجوه السعادة، وجرى الصغار في نشوة وتلهف يتقافزون من وراء حبات الحلوى ، يرددون في نفس واحد:” لقد تعافت سنية” ، ها هي تتنقل منتصبة من جدار لجدار ، بعدما ذاقت أمها الأمرين يائسة كل اليأس من شفائها ،احترقت مهدتها أعواما ، يشتد نشيجها، تغيم عيناها بالحزن كلما رأتها كسيحة ، تفترش الأرض في رثاثة ، تتابع أندادها من أبناء الجيران في لوعة ،مسكينة ظلت لستة أعوام في علتها ، ول\ت هكذا ملتصقة بالتراب ، ما إن تهم ، حتى تتهاوى في تضاؤل ساقطة في صراخ وألم ،يتوجع لمرآها المارة تأخذهم رجفة عارمة ، لكنها ومع تقادم الأيام أصبحت علتها معتادة ، فأهملت مع ما يهمل في البيت والدرب ، تخرج زاحفة مع انبلاج ضوء الصبح الفاتر ، تنبش التراب أسفل الجدران كالدواجن ، فإذا باغتها النعاس ، استقلت له مستسلمة كأنها خرقة بالية ، أوجثة ضئيلة ، تعافها كلاب الطريق ، حتى جاء اليوم الموعود ، الذي حملته فيه أمها ” للست خديجة ” ،استجابت لنصيحة الشيخ ” جمعة “فراش المسجد الذي دأب على ترغيبها في الزيارة حتى قبلت ، تكررت زياراتها أصابة الصغيرة هزة روحية شديدة ، وفي كل مرة تتحسن فيها أحوالها ،حتى كان صباحا اشتدت فيه برودته ، اطلقت جارتها ” اعتدال ” زغرودة زاعقة ، امتلأ على إثرها الدرب بالخلائق ،قد تورد وجهها من فرط السرور ،عقدت الدهشة ألسنة الجميع وهم يشهدون بأم أعينهم ” سنية ” تتحرر من كساحها ، تتنقل ببطء، وأظافرها ناشبة في طلاسة الجدار، عاودت المرأة زياراتها أكثر من مرة يتفجر البشر من ملامحها ،يرتج قلبها ارتجاجا عنيفا ، وهي تدس قروشها الخمسة في طاقة صغيرة منزوية بجسد الضريح وسط بقايا الشمع المنصهر، تتمتم راضية بكلام غير مفهوم.
تروي امرأة عجوز من سكان الزقاق ، أن ” الست خديجة ” صاحبة كرامة لا تخيب ،وكيف يخيب الله ظن من قصدها وهي من بيت النبوة الطاهر، وجدها حضرة المصطفى عليه الصلاة و السلام ، تدارك ” عطوة المسحراتي” الموقف كعادته ؛ فلكزها في جنبها بعصاة السنط الثقيلة ، قائلا وقد عقد ما بين جنبيه في جدية :” ستنا خديجة زوجة نبينا الاكرم نفسه وليست حفيدته ، بطلوا جهل بقا ” ، كبرت ” سنية ” وخرطها خراط البنات ، وتزوجت من تاجر غرابيل من قرية بعيدة ، لم يعد لحكايتها أثر ، تماما كما ابتلع الغياب صاحبتها، لكن أمها لم تنقطع عن نذرها ، فقروشها الخمسة لا تزيد ولا تنقص ، تدس كأول مرة في طاقة المقام، تخرج في مطلع كل أسبوع ترافق نور الفجر، تقسم بتربة أبيها أنها تذهب هناك على لحم بطنها ، لا يجرح صومها غير نفس للخان ، تزور وتعود في عز القيلولة ، تتنقل في ضعف تحت ظلال النخيل هربا من تراب الجسر المنصهر ، راضية ، داعية الله أن يقويها ، ولا ينقطع روحتها
ظلت المرأة على عهدها حتى شاخت وتقوس ظهرها ،اقعدها العجز بعدما تفككت مفاصلها وضعف بصرها ،لكن قروشها الخمسة تنوب عنها في الطاقة إياها ،ثام ” محفوظ ” ابن جارتها ط زبيدة ” بالمهمة نيابة عنها ، في طريق عودته من المدرسة ينحرف ناحية المقام يؤدي ما علها ،وفي كل مرة تأكل صدرها الأحزان ، تطلب من الفتى أن يحكي لها ما شاهد ،يتململ في وقفته ، لكنه ينخرط في حكيه ، يتهلل وجهها ويرتفع صوتها بالدعاء ، تعاود تلك الصور القديمة خيالها الممزق ، تنهمر دموعها في نشيخ منتظم ، لعل هذا ما يخشاه الفتى ، غنه يمل من تكرار مشهد البكاء ، من بعدها تغلق عليها بابها ولا تفتحه إلا ثاني يوم ، في صبيحة يوم حار ، افترش نساء الدرب تحت جدار قديم، اتسعت عينا ” روحية ” في ألم مخيف، تشتكي ملتاعة معانة جاموستها ، شدت أنفاسها وقد وضعت على وجهها قناع الحزن، قائلة :” منذ ثلاثة أيام وهي مهتاجة ، ترفض ابنها، تهرك الجدار برأسها في ثورة “، نصحها ” عطوة ا ” أن تأخذ رسنها وتذهب في زيارة للمقام وعلى الله التساهيل ، تأزم الجو بعد أيام مشتعلا بالحر والزهق، هرب الجيران بيوتهم ، فافترشوا امامها ، يظلوا في غطيطهم حتى يتنفس الفجر ، جثثا انهزمت منها الحياة ، ففي مثل هذه الأيام من كل صيف يطن البعوض ،وتكثر البراغيث ، وتنفث زرائب المواشي عفنها ، وتنز الحيطان برطوبة كريهة ،هيأت لنفسي مكانا ، تعهدته نهارا بالنظافة ، انضحه بالماء ، وفي إحدى الأماسي شعرت بتوهج في عيني، انتفضت قائما في صراخ اجتمع له أهل الدرب، انتفخت عيني بعد دقائق مثل رغيف ،كاد الوجع أن يفقدني صوابي ،وفي الصباح اخذت الوالدة بمشورة الجيران ، تناوب النسوة النظر لعيني من أسفل عصابة رقيقة ، اشتعل رأسي بالخوف لوصفاتهن :” لابد وأن يقطر له من حليب امرأة مرضع ” ، لكن ” هانم ” كان لها رأيها ، اقبلت تتحسس الجدار ، عقدت المفاجأة الألسن وهي تصرخ :” مفيش غير الست خديجة ، إلحقي ابنك قبل فوات الأوان “، بعد قليل كنا فوق الجسر، امسكت الوالدة بيدي تجرني من خلفها ، وهي تسبح في بحر من الرجاء ،على باب الضريح ، يتزاحم الناس، يتعالى بكاء الصغار، شقت الوالدة لنا طريقا بين الأجساد الملتصقة بالجدار، امسكت بطرف قماش القبر الأخضر، مررته من فوق عيني في سكون ، وهي تتضرع في خشوع ، فضت عقدة منديلها الكبير بأسنانها ، أخرجت عشرة قروش فردتها قبل أن تغيبها في بطن الصندوق ، تنظر متوسلة ناحيتي ، يتوزع بصرها بيني وبين القبر في لهاث مكتوم ، بعد يومين برأت عيني وزال الوجع ، يومها سرت الوالدة ، زارتنا ” هانم ” عند الأصيل ، يتقافز صوتها بنشوة عارمة، تمددت ليلتها فوق حصيري المندى ، لأشعر بعد دقائق بسرب من النمل يتحرك فوق قدمي، قادتني الصدفة لجحر مهول يسيل منه جيش جرار ، على ما يبدو أن واحدة منه تسللت خلسة ونهشت عيني .
ظللت معلق بالمقام إلى أن كبرت، قادني القدر إليه فتا يافعا ، أمر عليه في طريقي للمدرسة الإعدادية ،ألقي السلام في تأدب مبالغ ،تغيظني حالة العبث ، لا مبالاة الجيران ، تعاملهم الجاف من الضريح وكأنه كومة من التراب ، إنهم جفاة غلاظ ، لا يستحقون مجاورة ” ستنا خديجة ” ، تمنيت مرارا في حرقة ، إن لو سعفت الأقدار ، فانتقل المقام لقريتنا ، فنجن أولى بحبها ورعاية قبرها من أولئك العاقين ، في كل صباح استقبل هواء الصبح باردا ، يحمل بين طياته انفاس الليل الثقيل ،أسير وقلبي يمزقه الخوف والرهبة ، اقتلع قدمي من الأرض بصعوبة ، إنه يومي الأول في امتحان نصف العام، على غير عادتهم يسبقني أبناء القرية مسلمين ومسيحيين وقد انتظموا في صف واحد ، ووجوههم ملتصقة بالجدار يقرؤون الفاتحة ، منذ أسبوع بالتمام ، وفي إجازتي السنوية ذهبت لزيارة صديق قديم ، طلبت منه زيارة الضريح ، وما إن رأيته حتى تقلص وجهي في ذهول ، اغرق الإهمال المكان ، توحشت البيوت ، دبت الرطوبة في الجدران فتركتها لينة هزيلة ، ارتفعت الأرض من أمامه حتى دفنت مدخله في اختناق ، تراكمت الاوساخ ، فاحت الأرجاء برائحة لا تطاق ، نظرت في فضل لداخل الضريح ، بدى في اعتلال مخيف، اهترئ الغطاء الأخضر وتمزق ،غمرت المياه الجوفية أرضه ، تملكني الأسف ، تزاحمت مخيلتي بصنوف الصور ، اقتحمني صوت خادمة المقام في تضاؤل ،بكاء الصغار ، ضجيج النساء المختلط ، الشمع المنصهر في زواياه ، اعشاش اليمام صوتها وهي تزوم في نغم عذب، رائحة المسك الثقيلة ، يد أمي تجرني من خلفها تدفعني للداخل ، رددت على الفور ودون قصد:” سبحانه الضار النافع”.
