
دكتورة / مريم حنا
استشاري نظم زراعية
سيدي الرئيس إن إعادة هيكلة قيادات وزارة الزراعة باتت ضرورة حتمية تفرضها التحديات الراهنة التي تواجه الأمن الغذائي القومي، وهي مناشدة عاجلة إلى رئيس الجمهورية للتدخل الفوري لإنقاذ هذا القطاع الحيوي من التراجع المستمر نتيجة غياب الإدارة المتخصصة. فالواقع الحالي يؤكد أن السياسات الزراعية والبيئية تُدار بعقول تفتقر إلى الخلفية العلمية الدقيقة والخبرة الميدانية اللازمة، مما ترتب عليه اتخاذ قرارات غير مدروسة أدت إلى تراجع الإنتاجية وإهدار الموارد المادية والبشرية للدولة. وتتجلى أزمة غياب التخصص في تبني مشروعات كبرى دون إجراء دراسات جدوى بيئية وفنية متكاملة، مثل التوسع في استصلاح أراضٍ جديدة دون فحص دقيق لخواص التربة ومصادر الري، مما يهدد بارتفاع معدلات الملوحة مستقبلاً وتحول هذه المساحات إلى أراضٍ بور لا تصلح للزراعة بعد إنفاق مليارات الجنيهات عليها.ولا تتوقف معضلة غياب التخصص عند حدود استصلاح الأراضي، بل تمتد لتشمل مجازر بيئية واسعة النطاق يرتكبها موظفو المحافظات والمحليات، والذين أقدموا على قطع جائر للأشجار التاريخية والمعمرة في مختلف المدن، للقضاء على الغطاء النباتي المتبقي بالشارع وبناء أبراج خرسانية ومجمعات استثمارية ضيقة الأفق. ولعل الشاهد الأبرز على هذا التخبط ما شهدته محافظة المنيا في عهد المحافظ اللواء عماد كدواني، وتحديداً الواقعة الصادمة بمركز مغاغة خلال فترة رئاسة هاني الجويلي للمدينة؛ حيث تم تدمير حديقة طه حسين بالكامل، والتي كانت تمثل الرئة الخضراء الوحيدة والمتنفس الطبيعي لأهالي مركز مغاغة، لتباع الحديقة إلى أحد المستثمرين وتحويلها إلى محال تجارية خرسانية. هذه الواقعة التي أثارت سخطاً واسعاً، وانتهت بصدور قرار من الوزارة باستبعاد رئيس المدينة من منصبه على خلفية اتهامات متعددة وضعت علامات استفهام كبرى حول آلية إدارة الأصول البيئية والزراعية بالدولة.كما يظهر هذا الإخفاق الإداري بوضوح في مشروع تبطين الترع، الذي واجه فشلاً ملموساً وتأثيراً سلبياً كبيراً على منظومة الري؛ حيث افتقر المشروع إلى دراسة طبيعة التربة الطينية التي تحتاج إلى مرونة خاصة، ونتج عنه تشقق الجدران الخرسانية وتسرب المياه تحتها، فضلاً عن تقليص عرض المدارات المائية مما أدى إلى بطء تدفق المياه وعدم وصولها إلى نهايات الترع، ليتحول المشروع من أداة لترشيد الاستهلاك إلى عبء يعيق الفلاحين ويضر بالمحاصيل. إن استمرار هذا التخبط ينذر بمنعطف خطير قد يهوي بالقطاع الزراعي إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، ولذلك فإن طوق النجاة الوحيد يكمن في إسناد ملفات الوزارة وقيادات المحليات ذات الصلة بالبيئة والزراعة إلى الكوادر العلمية المؤهلة من حاملي شهادات الدكتوراه في العلوم الزراعية والخبراء الأكاديميين؛ فهم الأقدر على وضع استراتيجيات مستدامة تقوم على أسس علمية صحيحة، وحساب المخاطر قبل التنفيذ، وربط البحث العلمي باحتياجات الأرض الفعلية، وبناء إدارة تخصصية حازمة قادرة على وقف هذا النزيف واستعادة مكانة مصر الزراعية والبيئية.







