
بهجت العبيدي
لقد أبدع الله سبحانه وتعالى الكون وأرسى له قوانين راسخة تحكم سيره. تتضمن هذه القوانين 26 ثابتًا، منها ثوابت كونية مثل ثابت بلانك وثابت سرعة الضوء، وثوابت كهرومغناطيسية كـ ثابت كولوم وثابت كم التدفق المغناطيسي. كما توجد ثوابت ذرية ونووية مثل ثابت فيرمي وثابت هاتري، بالإضافة إلى قائمة الثوابت الفيزيائية الكيميائية التي تشمل ثابت بولتزمان وثابت لوشميت. وأخيرًا، هناك جدول الثوابت المعدلة الذي يضم ثابت جوزيفسون.
إن هذه الثوابت الكونية، التي اختص الله بها الوجود، لم يتم اكتشافها من قبل البشرية إلا بعد التخلي عن الفكر الخرافي وتبني المنهج العقلي والتجريبي في البحث العلمي. فقد كانت الخرافة تسيطر على الفكر الإنساني، وكان السحر يُستخدم كوسيلة لمعالجة التحديات. ومن الأمثلة على ذلك، الشامان، وهم سحرة دينيون يدّعون امتلاك قوى خارقة تمكنهم من التحكم بالنيران وإنجاز المهام عبر جلسات تحضير الأرواح، حيث يعتقدون أن أرواحهم تغادر أجسادهم إلى عوالم روحية أو تحت الأرض لإتمام مهام معينة. وعلى الرغم من انتشار هذا النوع من الخرافة بأشكال مختلفة حول العالم، وربما استمراره حتى الآن، إلا أن الموطن الأصلي للشامانية بشكلها النقي قد يكون في سيبيريا وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى السكان الأصليين للأمريكيتين الذين يُعتقد أن أصولهم تعود إلى آسيا الوسطى.
لو افترضنا استمرار هذه المعالجات حتى الآن، فإنه من غير المرجح أن يكون الإنسان بهذه العقلية الخرافية قد توصل إلى هذه الثوابت الكونية، بل كان سيبقى غارقًا في عوالم الجهل والخرافة.
يمكننا تحديد اللحظة التي تبوأ فيها العقل مكانة مركزية في الكون، وذلك منذ إعلان رينيه ديكارت (31 مارس 1596 – 11 فبراير 1650)، الفيلسوف والرياضياتي والفيزيائي الفرنسي، الذي يُلقب بـ “أبو الفلسفة الحديثة”، والذي لا تزال العديد من الأطروحات الفلسفية الغربية اللاحقة تعكس أفكاره، وتُدرّس حتى يومنا هذا، لا سيما كتابه “تأملات في الفلسفة الأولى” (1641م).
نؤكد على أن اللحظة التي تبوأ فيها العقل مكانته المحورية في الكون تتحدد بانطلاق مقولة رينيه ديكارت الشهيرة: “أنا أشك، إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود”. هذه المقولة شكلت الانطلاقة الفلسفية لعصر جديد. أما فرانسيس بيكون، فبمنهجه الاستقرائي، كان من الرواد الذين أدركوا عدم جدوى المنطق الأرسطي القائم على القياس وأوهامه الأربعة. وقد افترض بيكون أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، لا يمتلك أفكارًا فطرية، بل يكتسب كل المعارف لاحقًا عبر الحواس، مما بشر بعصر جديد على مستوى المنهج البحثي. وإذا كان بيكون قد رأى عدم جدوى المنهج الأرسطي، فإن السير إسحاق نيوتن (25 ديسمبر 1642 – 20 مارس 1727)، العالم الإنجليزي البارز في الفيزياء والرياضيات وأحد رموز الثورة العلمية، قد أحدث عصرًا جديدًا بقوانينه التي نسفت التصور الأرسطي للكون، والذي ظل سائدًا لما يقارب الألفي عام. لقد مثلت رؤية نيوتن للكون أول تصور يعتمد على العقل والعلم معًا، في حين أن تصور أرسطو للكون كان عقليًا بحتًا.
بالطبع، لن نتطرق إلى التعديلات اللاحقة التي طرأت على مفهوم الكون بعد نيوتن، والتي كان لنظريتي النسبية العامة والخاصة للعالم الفيزيائي المرموق أينشتاين دور محوري في صياغتها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصورة لا تستقر طويلاً حتى تتغير بفعل البحث العلمي المستمر. فعلى سبيل المثال، توصل عالمنا الدكتور أحمد حسن زويل (26 فبراير 1946 – 2 أغسطس 2016)، الكيميائي المصري الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 لأبحاثه في كيمياء الفيمتو، إلى اختراع ميكروسكوب يقوم بتصوير أشعة الليزر في زمن الفيمتوثانية.
ونعود لنتساءل: هل كان بإمكان الإنسان تحقيق هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الباهر، لولا أن هذا العقل الاستثنائي قد تجاوز الحدود واكتشف الثوابت الكونية والقوانين التي تحكم الكون، وتخلى بشكل قاطع عن كل ما يتخذ من الأسطورة عقيدة، ومن الخرافة مسلكًا، ومن السحر وسيلة؟
إن هذا العقل الذي اكتشف تلك القوانين وقدم تلك النظريات لم يكن ليحقق ذلك إلا إذا تم تأسيسه على مبادئ جديدة، تتنافى مع كل ما لا يتفق مع المنطق، وتناهض كل ما لا يخضع للتجريب، وترفض كل ما يلقى عليها دون استقراء. هذا ما يمكن أن نطلق عليه عقلًا حرًا حديثًا يدير واقع اليوم ويحل إشكالاته على أسس علمية متينة.
وهنا نسأل أين نحن في منطقتنا العربية وهذا العقل؟!. هل حقا يمتلك إنسان هذه المنطقة عقلا حديثا أم أنه مازال يؤمن بالخرافة ويستخدم الشعوذة ويلجأ للسحر؟!.
إن المدقق مرة والمتابع عن كثب مرة أخرى لما ينتشر من أفكار في منطقتنا العربية، نأخذ مصر أكبر دولة عربية مثالا، يدرك بما لا يدع مجالا للشك أن الغالبية العظمى من هذا المجتمع لا تمتلك هذا العقل الحديث بل تؤمن إيمانا راسخا بالسحر والشعوذة، ولنضرب صورة لما نزعمه هذه الأسئلة التي يتوجه بها غالبية من هذا المجتمع للبرامج الدينية التي يستبدلونها بالمجالات العلمية المختلفة، فليس على المشكك فيما نذهب إليه إلا أن يدير محرك القنوات التلفزيونية ليشاهد تلك البرامج ويتوقف عند الأسئلة التي لا علاقة بها مطلقا مع رجل الدين الذي لا يتورع في إبداء رأيه في حالة علمية بحتة، ولم يقتصر الأمر على رجال الدين الذين يتدخلون في كل شيء بدءا من العلاقة الحميمة التي تجمع الزوجين وصولا للفيزياء الكمية ونظرية التطور، لا يقتصر الأمر على رجل الدين، وإنما يتخطاه ليصل للمشعوذين والسحرة الذين مازال سوقهم رائجة بشكل رهيب في مجتمعاتنا العربية، فإذا عرفنا أن هناك “دجال” لكل 240 مواطنا مصريا لكشف الغيب!”، وأن أبرز زبائنهم نجوم الرياضة والفن والسياسة، ينفقون حوالى 15 مليارات جنيه سنوياً على أعمال الدجل والشعوذة. فإن ذلك يعكس حالة الاستغراق المجتمعي في مثل هكذا خرافة.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أشار تقرير صادر عام 2014 في إحدى الدول العربية إلى أن حجم الإنفاق السنوي على ممارسات الشعوذة والعرافة يتجاوز 5 مليارات دولار. وفيما يتعلق بانتشار هذه الظواهر، تحتل دول المغرب العربي المرتبة الأولى من حيث عدد الممارسين.
قبل الختام، أود الإشارة إلى أن أوروبا شهدت فترة من التراجع الفكري استمرت لثلاثة عشر قرنًا، حيث ساد التفكير الخرافي في القارة الأوروبية، وكان العقل السحري هو النمط السائد، مما أدى إلى تهميش العقلانية. خلال هذه الفترة، سيطر رجال الدين بشكل كامل على الفكر العام، وشكل تحالف الدين والسياسة قوة مهيمنة. وقد أدت هذه السلطة المزدوجة إلى إحكام السيطرة على جميع جوانب الحياة والفكر، ولم تسمح بظهور أي أفكار تتعارض مع المعتقدات السائدة. ولعلنا نذكر جميعًا ما حدث لشخصيات مثل جيوردانو برونو (1548 في نولا – 17 فبراير 1600 في روما)، الفيلسوف الإيطالي الذي حكم عليه بالهرطقة من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وأعدم حرقًا لتبنيه نظرية مركزية الشمس. وكذلك جاليليو جاليلي (15 فبراير 1564 – 8 يناير 1642)، العالم الفلكي والفيلسوف والفيزيائي الإيطالي، الذي يوصف أحيانًا بالعلّامة.
نشر نظرية مركزية الشمس والتي جاء بها كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، ولذلك تم حبسه في منزله إلى أن مات، وهو يردد إنها تدور وستظل تدور، يقصد الأرض التي كان يُعْتَقَد أنها ثابتة ورُفِض بل حٌرِّمَ مجرد التفكير في دورانها. ولعل عدم نشر كوبرنيكوس أو إفصاحه عن كتابه ” حول دوران الكواكب السماوية” في حياته لدليل قاطع على هذا الرعب الذي كانت تمارسه السلطة الدينية المدعومة دعما تاما ومتبادلا من السلطة السياسية.
وعلى الرغم من القيود الفكرية التي سادت تلك الحقبة، تمكنت أوروبا من تحرير الفقل بفضل جهود نخبة من المفكرين والمبدعين وقادة الرأي. لم تكن هذه العملية يسيرة، بل تطلبت تضحيات جسيمة، حيث سالت الدماء وفقد العديد من المفكرين والفلاسفة حريتهم، وزج بهم في غياهب السجون. ومع ذلك، في نهاية المطاف، بزغ نور العقل بعد فترة طويلة من الظلام الدامس، وانتصرت الكلمة على السلاح، وانطلقت الفكرة متحررة من القيود التي فُرضت عليها، كما يتضح من حالة ديدرو، صاحب موسوعة “موسوعة الفنون والعلوم والحرف”.
