
قراءة وتحليل أعده:
محمد حسب الله الكفراوى
في توقيت دقيق للغاية مع نهايات عام 2025، حملت الأنباء القادمة من واشنطن إشارات واضحة على أن الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تدخل مرحلة “تكسير العظام” مع المؤسسة التقليدية. قرار استدعاء نحو 30 سفيراً ودبلوماسياً محترفاً بشكل مفاجئ -من بينهم السفيرة الأمريكية بالقاهرة هيرو مصطفى- ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو إعلان رسمي عن نهاية حقبة “الدبلوماسية الناعمة” وبدء عصر “إدارة الصفقات المباشرة”.
أولاً: دلالات التوقيت.. تصفية “الدولة العميقة”
إن استهداف السفراء المحترفين (Career Diplomats) الذين نجوا من حملة التطهير الأولى، وتحديد موعد رحيلهم في يناير 2026، يحمل رسالة سياسية مزدوجة:
* الولاء قبل الكفاءة: البيت الأبيض لم يعد يثق في تقارير وزارة الخارجية التقليدية. ترامب يريد سفراء “منفذين” لأجندة “أمريكا أولاً” بلا نقاش، ولا يريد “مستشارين” قد يعرقلون قراراته بحجج قانونية أو بروتوكولية.
* إغلاق القنوات الخلفية: رحيل شخصية مثل هيرو مصطفى -التي كانت تجيد التواصل الثقافي واللغوي مع المنطقة- يعني أن واشنطن لم تعد مهتمة بـ “كسب العقول والقلوب”، بل بفرض الأمر الواقع.
ثانياً: “الحالة المصرية”.. بين فكي الكماشة (الجزرة والعصا)
برحيل السفيرة الحالية، تجد القاهرة نفسها أمام مشهد معقد. فالسفير القادم -الذي تشير التوقعات إلى أنه سيكون رجل أعمال أو شخصية سياسية تدين بالولاء المطلق لترامب- لن يعمل منفرداً، بل سيكون “منسقاً” ميدانياً بين فكي كماشة يطبقان على المنطقة، وهما:
1. ستيفن ويتكوف (الجزرة الاقتصادية):
المبعوث الخاص للشرق الأوسط وصديق ترامب الشخصي.
* دوره: سيحمل للقاهرة “حقيبة الاستثمارات”. لغته هي لغة الأرقام، الموانئ، وصفقات الطاقة.
* الخطر: سيحاول مقايضة الدعم الاقتصادي الضروري لمصر بقبول ترتيبات أمنية جديدة في الإقليم، محولاً العلاقات الاستراتيجية إلى “علاقة تجارية” بحتة.
2. مايك هاكابي (العصا الأمنية):
السفير الأمريكي الجديد في إسرائيل، المعروف بمواقفه العقائدية المتشددة.
* دوره: يمثل الضغط الأمني من الحدود الشرقية. بدعمه المطلق للاستيطان ورفضه لحل الدولتين، قد يغطي سياسياً على أي تحركات إسرائيلية تهدف لتهجير الغزيين أو البقاء في محور فيلادلفيا.
* الخطر: وجوده يهدد “الخطوط الحمراء” للأمن القومي المصري بشكل دائم.
أمام هذا المشهد، ستكون مهمة السفير الأمريكي الجديد في القاهرة هي التأكد من أن مصر تقبل “عروض ويتكوف” لتمرير “حقائق هاكابي”.
ثالثاً: دور الجالية المصرية في الساحل الشرقي.. “جسر المصالح وحائط الصد”
في ظل هذا التحول من “الدبلوماسية الرسمية” إلى “دبلوماسية الأشخاص”، يبرز دور المصريين المقيمين في ولايات الساحل الشرقي (نيويورك، نيوجيرسي، واشنطن) كأحد أهم أوراق القوة الناعمة لملء الفراغ الدبلوماسي وتخفيف حدة السيناريوهات القادمة، وذلك عبر ثلاث قنوات:
* اختراق “التحالف الإنجيلي”: تتمتع قيادات الجالية بعلاقات قوية مع دوائر اليمين المحافظ. يمكن تفعيل “دبلوماسية دينية” ذكية للتواصل مع القاعدة الانتخابية لترامب وشخصيات مثل “هاكابي”، لتوضيح أن استقرار مصر وعدم المساس بحدودها هو مصلحة مسيحية-إنجيلية للحفاظ على استقرار المنطقة، مما يخفف من غلواء الطرح الإسرائيلي.
* لغة “وول ستريت”: تضم نيويورك نخبة من الكفاءات المصرية في قطاعات المال والاستثمار. هؤلاء الأقدر على مخاطبة إدارة ترامب و”ستيفن ويتكوف” بلغتهم المفضلة: “لغة البيزنس”، مقدمين مصر كفرصة استثمارية واعدة وشريك اقتصادي، لا كدولة تعتمد على المعونات فقط.
* الضغط المباشر (Lobbying): نظراً لتركزهم في دوائر مؤثرة، يمكن للجالية تشكيل مجموعات ضغط للتواصل مع الكونجرس لعرقلة أي تشريعات تضر بالمصالح المصرية، ليكونوا بمثابة “السفير الشعبي” القادر على تجاوز البروتوكولات المعطلة.
النتائج الاستراتيجية
إن خبر إخلاء السفارة في يناير ليس مجرد تغيير وظيفي، بل هو إشارة بدء لمرحلة “الجباية السياسية”. القاهرة مقبلة على عام 2026 بلا “سفير تقليدي”، ومواجهة مباشرة مع إدارة أمريكية لا تعترف إلا بالقوة والمال. النجاح في إدارة هذه المرحلة سيعتمد على قدرة المفاوض المصري على “الفصل” بين الملفات: الاستفادة من براغماتية “ويتكوف” اقتصادياً، مع بناء تحالفات (بما فيها الجالية) لصد تطرف “هاكابي” أمنياً.








