
بقلم: بهجت العبيدي
في مسرح الأفكار الخالدة، حيث تتصارع الرؤى وتتكشف الحقائق كأزهار نادرة في تربة التاريخ، تبرز “نظرية الغباء” للعالم اللاهوتي ديتريش بونهوفر، لا كنصٍ فلسفيٍ جاف، بل كقصيدةٍ حزينةٍ وصرخة تحذيرٍ مدوية، وُلدت من رحم المعاناة في وجه أعتى طغيان شهده القرن العشرون.
في عام ألف وتسعمائة وستة، أطل على العالم نورٌ لاهوتيٌ بروتستانتي، اسمه ديتريش بونهوفر. لم يكن مجرد عقلٍ وقّادٍ ينهل من معين المعرفة الدينية، بل كان ضميرًا حيًا، وقلبًا شجاعًا أبى أن يساوم على مبادئه أمام مد الفاشية الجارف. في زمنٍ ارتعدت فيه فرائص الكثيرين، وقف بونهوفر شامخًا، ينسج من إيمانه وفكره درعًا لمقاومة الفكر الهتلري، مقاومة روحية وفكرية لم تُرهبها سطوة الرايخ الثالث. بيد أن للأقدار كلمتها، فاعتقل هذا الفارس النبيل، ليُساق إلى حتفه إعدامًا في ربيع عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين، قبل أن تلفظ النازية أنفاسها الأخيرة بأسابيع قليلة. ومن زنزانته المعتمة، حيث تأمل الإنسان والشر، انبثقت شرارة “نظرية الغباء”، كجوهرةٍ وُلدت في أحلك الليالي.
في إحدى ومضاته الفكرية التي حُفرت في سجل الخلود، دوّن بونهوفر عبارةً كالسيف في حدتها، وكالبلسم في عمقها: “الغباء أخطر من الشر.” قد تُباغتك – أيها القارئ الكريم -هذه الكلمات، تبدو كأنها وصمٌ أو تعالٍ نخبوي. لكن مهلًا، ففي طياتها يكمن تشريحٌ دقيقٌ لعلل المجتمعات، ونقدٌ سياسيٌ واجتماعيٌ ينم عن بصيرةٍ نافذة. لم يكن بونهوفر يحتقر فردًا بعينه، بل كان يُحذّر من تلك الآليات الخفية التي تنسج “غباءً مُنظّمًا”، يصعب فك خيوطه المتشابكة.
فالشر، مهما توارى، يحمل في طياته بذور انكشافه، ويمكن للحق أن يواجهه أو للقوة أن تلجمه. أما الغباء، فيرتدي ثوب البراءة، بل يزهو بمنطق معوج يراه الحقيقة المطلقة، فلا الحجة تقنعه ولا البرهان يزحزحه. إنه ليس قصورًا في الفهم، بل هو انسدادٌ في نوافذ الروح والعقل عن استقبال أي بصيص للحقيقة.
لم يكن بونهوفر يشير إلى ضحالة الذكاء الفطري أو محدودية القدرات العقلية، كلا. بل كان يصف حالةً ذهنيةً واجتماعيةً يُسلب فيها الإنسان جوهر إنسانيته: استقلاله الفكري. يتحول الفرد، في هذه الحالة، إلى مجرد صدى باهتٍ يردد أفكارًا لم يمضغها عقله ولم يستشعرها وجدانه. الغبي، في قاموس بونهوفر، ليس من يفتقر إلى الفطنة، بل هو ذاك الذي تنازل طواعيةً عن أمانة المسؤولية الأخلاقية والفكرية، وأودع عقله أسيرًا لدى الجماعة، أو القائد الملهم، أو الخطاب الطاغي الذي يبتلع كل صوتٍ سواه.
لم يكن بونهوفر يرى هذا الغباء وليد صدفةٍ عمياء، بل نتاجًا طبيعيًا لبيئةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ موبوءة. في ظل الاستبداد الذي يكمم الأفواه ويُجفف ينابيع الفكر الحر، وفي كنف الدعاية الشمولية التي تمطر العقول بوابلٍ من الرسائل المُقولبة حتى يتشربها الوعي كأنها الحقيقة الوحيدة، وتحت راية الانتماء الأعمى للجماعة حيث يصبح الولاء مقدمًا على الحقيقة ذاتها – في هذه المناخات المسمومة، ينمو الغباء ويتمدد. يفقد الفرد ذاته، ويغدو أداةً طيعةً في يد خطابٍ خارجي، وهنا يكمن الخطر الأعظم؛ فهو لا يرى نفسه مسؤولاً عن أفكاره أو أفعاله، بل يرى أنه “ينفذ الصواب” الذي تمليه عليه الجماعة أو السياق المُهيمن.
إن الشرير يعرف طريقه: الشرير، في قرارة نفسه، يدرك أنه يسلك درب الضلال، ويمكن مواجهته بسيف القانون أو درع الأخلاق.
الغبي في عماه يرى نورًا: أما الغبي، فلا يرى في نفسه إلا الخير والصلاح، يتمسك بموقفه بحماسةٍ لا تعرف الكلل، مستعدًا للدفاع عن وهمه حتى الرمق الأخير.
الغباء يتشح بعباءة الفضيلة: إنه يتخفى ببراعة خلف أقنعةٍ برّاقة؛ كالوطنية الزائفة التي تبرر القمع، أو الإيمان الأعمى الذي يُلغي العقل، أو الأخلاق المُعلّبة التي تُفرّغ القيم من جوهرها.
عدوى الغباء سريعة الانتشار: فهو لا يتطلب جهدًا فكريًا، بل مجرد ترديدٍ ببغائي، فينتشر كالنار في الهشيم.
وهكذا، يتحول الغباء إلى حصنٍ منيعٍ يحمي عروش الطغاة، ويُطيل أمد الفساد، ويخلق قاعدةً جماهيريةً تذود عن الظالم وتُخوّن كل من يسعى إلى الخلاص.
إن بصمات “الغباء البونهوفري” تتجلى في مشاهد لا حصر لها من واقعنا المعاصر: في أولئك الذين يتشبثون بنظريات المؤامرة دون دليلٍ أو برهان، كأنهم يجدون فيها ملاذًا من تعقيدات العالم. في أولئك الذين يرفعون الزعماء إلى مصاف الآلهة، فلا يرون فيهم عيبًا ولا يسمحون بنقدهم. فيمن يرددون شعاراتٍ رنانة لا يعون من معناها شيئًا، كأنها تعويذات سحرية. فيمن يرفضون حقائق العلم الراسخة لصالح أوهامٍ جماعيةٍ تريحهم من عناء التفكير. وفيمن يسخرون من العقل والمنطق، متذرعين بـ”الحس الشعبي” أو “الفطرة السليمة” التي غالبًا ما تكون قناعًا للجهل المُقدّس. هؤلاء ليسوا مجرد أفرادٍ بسطاء، بل هم ضحايا منظومةٍ كاملةٍ تصادر وعيهم، وتُغلف اغترابهم عن الحقيقة بأرديةٍ مُزركشةٍ من الوطنية أو الدين أو الكرامة المصطنعة.
يرى بونهوفر أن الخلاص لا يكمن في مقارعة الغبي بالحجة والمنطق فحسب، فهو أصم عن سماع صوت العقل. العلاج يكمن فيما أسماه “التحرر الداخلي للفرد”، وهو رحلة شاقة نحو استعادة الذات تلك التي تتحقق من خلال:
– إعادة الاعتبار للمسؤولية الفردية: أن يشعر كل إنسان بأنه مسؤول عن أفكاره وقراراته.
– إيقاد شعلة الشجاعة الأخلاقية والفكرية: أن يجرؤ المرء على التفكير بشكل مستقل، حتى لو خالف السائد.
– كسر هيمنة الجماعة على العقل الفردي: أن يتحرر الفرد من سطوة العقل الجمعي الأعمى.
– الوعي بخطر الانسياق الأعمى: أن يدرك المرء أن الكثرة ليست دائمًا على صواب، وأن الحقيقة قد تكون مع القلة المستنيرة.
ويختم بونهوفر رؤيته بإيمانٍ لاهوتيٍ وأخلاقيٍ عميق، كأنه همسٌ من السماء: “التحرر الحقيقي لا يُمنح للإنسان كهدية، بل يُنتزع انتزاعًا حين يستعيد مسؤوليته تجاه الله وضميره.”
وفي النهاية نطرح هذا السؤال هل نحن أسرى عصر الغباء؟
وإننا نذهب إلى أنه إن كان بونهوفر قد خطّ هذه السطور في ظلال حكم هتلر، فإن روح نظريته تحلق في سمائنا اليوم، أكثر حضورًا وإلحاحًا من أي وقت مضى. إننا نشهد تصاعدًا مُخيفًا لظواهر الغباء الجمعي: من تقديس السلطة حد العبادة، إلى إنكار الحقائق الساطعة كالشمس، إلى امتهان العقل والاستخفاف به.
والأخطر من كل ذلك، أن هذا الداء لا يُشفى بمزيدٍ من المعلومات المتدفقة، بل بالتحرر من أغلال الخوف، واستعادة الوعي الفردي المسلوب، والنضال الدؤوب من أجل بناء مجتمعاتٍ تُعلي من شأن التفكير النقدي المستقل، لا الترديد الأجوف.
فكما قالها بونهوفر بكلماتٍ خالدةٍ تُضيء دروب الحائرين:
“الغباء ليس عيبًا في العقل، بل هو خيانةٌ للضمير.”
فلتكن كلمات بونهوفر نبراسًا لنا، في سعينا الدائم نحو عالمٍ يُكرّم فيه الإنسان عقله وضميره، فوق كل اعتبار.








