
بقلم باسم أحمد عبد الحميد
حين يهتم ناقد بالسيكولوجية، فهذا لا يعني دائماً أنه يكتب نقداً سيكولوجياً، وهكذا أن الإطناب في التعليق على مشاعر ودراسة سيرة حياة المؤلف كما هو إلى غير ذلك لا تخضع أبداً لدراسة مركب الأثر في غناه السخي، وبالفعل نحن ندين للتحليل النفسي الذي يتجاوز كثيراً في الوقت الحاضر نظرية (فرويد) البطولية ولنقل ذلك والذي على فعاليتها في نطاق تفهم نظري أفضل كما في مجال الإنتصارات الطبية بأنه قدم لنا مجموعة من المفاهيم الأساسية التي تستطيع وحدها أن تدرك هذه العقدة، حتى بالنسبة إلى الإتجاهات التي تبدو أكثر بعداً عن التحليل النفسي لاتجاه( رولان بارت) في كتابه (مشليه) هذه الإتجاهات تنحدر بالبداهة من السيكولوجية، وهكذا إننا نحصر بحثنا في النتائج المباشرة والبعيدة لندخلها عن العمل النقدي وسيسامحنا القراء إذا ما ذكرناهم ببعض المفاهيم التحليلية التي نستطيع أن نلخص أن هذه المفاهيم يقبلها التحليل النفسي كله رغم اختلاف المدارس فالتحديد الضيق (للسلوك) إن أفكار الفرد ومشاعره والأعمال التي يقوم بها في فترة ما ترتبط حصراً بتاريخ دوافع الشخصية وبالطريقة التي يدرك بها الموقف الذي يحيط به… -الأهمية الأساسية للطفولة الأولى في تاريخ تكوين الشخصية تحت التاثير المزدوج للميول أو للنزعات الغريزية، ولبنية الموقف السيكولوجي، والاجتماعي هكذا تتكون الأبعاد المختلفة للشخصية، ال (هو) مجموعة الغرائز والدوافع اللا شرعية الأنا مجموعة وظائف الوعي والإدراك (الأنا العليا) استجابات الشعور بالذنب والروادع….
-الدور المهم الذي تلعبه الصراعات النفسية الداخلية لاسيما الإحباط يحقق السلوك عامة حلاً لهذه الصراعات وذلك بواسطه آليات كالتحويل والاشباع والتصعيد والتبرير وغيرها اخيراً لا شعور الذي يجدد فيه الفرد نفسه في آن واحد عرضة للصراعات المسيطرة والمتطلبات الراهنة فهو لا يعي إلا النتائج وينتج عن هذا كل أن( فعل الكتابة) وهو سلوك، يكون الإبداع الأدبي ليس إلا حالة خاصة يمكن بذلك تحليلها..
اذن لا يمكن أبداً أن نضع جداراً وهمياً بين التحليل النفسي والنقد، ولا بين التحليل النفسي والكاتب أو الشاعر، فكثيراً ما كنت أتحدث مع الشاعر أحمد غراب عن بعض موضوعات قصائدة العجيبة، التي تصف الموت كتجربة شخصية، أو حلقات (الزار) بمراسمها المجنونة، وقصائدة الحزينة عن والدية أمه في قصيدة أصداء من قبر أمي، وأبيه في قصيدة الماء..
هذه القصائد توقفت عندها كثيراً، وأستطيع أن أجزم أنها شكلت وجدان هذا الشاعر ، وجعلته في مكانة يصعب على البعض فهمها، أو إدراكها، او حتى تحليلها النفسي، او الاجتماعي، واكتفوا بالتعليق أن الأنا لدى الشاعر جعلته في واد، والناس في واد آخر!!
من الملائم – بديهياً-أن نفحص، بعمق، نصاً في كل جزئياته، لأن كل شيئ يمكن أن يكون آداة للكشف، وهكذا، تظهر مقاييس للتقدير (باطنية) جوهرية، وبالفعل إن الأثر يكون( أصيلاً) حين تغوص جذوره في غنى باطني عاشه الشاعر ، ويمكن أن يتصل به القارئ، وإن الأثر ليكملنا على قدر ما يتفق مع ميولنا السرية جداً ، ولا يمكن أن يتفق معنا، إلا إذا نَجُمَ من عناصر صادقة عاشها المؤلف أو الشاعر حقاً،، وعلى الناقد حينما يكتب أن يتحلى بالصدق والموضوعية، دون هوىً أو نزوع أو حتى ميل، لأنه بمثابة القاضي الذي يقضي بالعدل، والأوراق ثبوت..
