
إبراهيم الديب
خمسة وعشرين عاماً ظل محمد فيها من الأشخاص التي انتظر لقائها يومياً ، لما تمثلها: مهنة بيع الصحف التي يعشقها ويمارسها بحب قبل أن تكون عمل يرتزق منه لعلاقة نشأت بينه وبين قطاع من المثقفين كان محمد سعيد أيما سعادة بها وحريص على استمرارها: كنت أنتظره كل يوم بشغف شديد ليس لكون الصحف والمجلات والكتب التي يأتيني بها كل يوم مجرد: عدد من الصفحات تحتوي سطورها على اخبار تسرد وتحكي :قصصاً مشوقة عن حياة المشاهير، من رجال اعمال و نجوم سينما ورياضة، وأنباء عما كان في الماضي وتوقعات ما سيحدث في المستقبل، وما سيكون.
رؤيتي للصحف والمجلات وبعض الكتب :نظرة مختلفة أعمق وأجل لقناعتي بأن الحياة والحضارة في تقدم مستمر ومدفوعة للأمام بسبب دوران المطابع التي لا تكف عن طبع الصحف والكتب والمجلات التي: تحمل سطورها من فكر وفن وأدب وفلسفة تخبر بأن الكائن البشري يعمل عقله متفكرا فيما حوله: فتحمل إلينا من رؤي في شتي فروع المعرفة تحدث إضافة تدفع الحياة البشرية لتجاوز؛ ما انجزته سابقآ تظل الحياة بها في سيرورة متدفقة لا تكف عن التحول، وتلك وظيفة الإنسان الأساسية التي من أجلها خلقه وهو خلافته في الأرض بعد أن وهبه العقل ،فمن المستحيل ما استمرار الإنسان في القراءة أن تظل الدنيا في حالة جمود أو ثبات :او تتراجع الحضارة والإنسان القهقري.
فالقراءة تقضى على السكون و تحارب وتعادي الجمود، و تغذي العقل باستمرار بالدهشة وتوسيع خياله ومداركه على عوالم من السحر والجمال وفرحا بالحياة، لان الغرب يقرأ الشرق والجنوب يتمثل تجربة الشمال في عملية تبادل حضارية بين الجميع: قراءة أعمق ضد البلى، غير قابلة للمحو بقيمة الوجود تدخل بها البشرية ف نقاش متواصل تقف به على سر نفسها تشاهد به نفسها في عيون الآخرين هذا ما أشعر به عندما أشاهد محمد بائع الصحف يحملها على كتفه وكأنها جزء منه. لم أتخيله يوما من الأيام يعمل بمهنة أخرى ،أو أشاهده على هيئة بخلاف غير التي اختزنتها له بداخل عقلي ونفسي …
كانت بيني وبينه علاقة تجسد الاحترام المتبادل محمد الذي يراه بعض الناس متشردا صعلوكا لحمله صحف وكتب ومجلات تنوء تحتها كتفه متسكعا بها في الطرقات ونواصي الشوارع والميادين، ولكنه مؤمن بأن مهنته من الذروة بمكان وينظر لها بشيء من قداسة، هذا ما أخبره به أغلب زبائنه من المثقفين وهم صفوة المجتمع من وجهة نظر محمد لما تحتوي عليه الصحف والكتب بين طياتها من رسائل تعمل على محاربة القبح وقتل الجهل والتقريب بين البشر في حوار خلاق فيما بينهم يساعد على فهم كل منهم للآخر..
كنت ممتنا لمحمد كثيراً ، لأفكار كونها عن شخصي دون معرفتي ، من ضمن: أنني من أكثر الناس فهما ، وفوجئت لرأيه ، لكوني لم أتحدث يوماً عن نفسى بشيء مما يعتقده عني ، ولهذا السبب كان محمد يستشيرني فى كل شئون حياته الخاصة حتي أنه: مرض ذات مرة وذهب لطبيب فى المنصورة، ولكنه رفض تناول الدواء حتى يأخذ رأيي فى الطبيب والدواء ؟! ظل محمد يخلع على صفات أتحرج من ذكرها وفى يوم سألته لماذا كل هذه الثقة العمياء في شخصي ؟ فقال: عندما سألوني فى محل الجرائد لمن تأخذ الأهرام والقاهرة والعربي الكويتي ،و كتب عالم المعرفة والهلال ،وغيرها الكثير بخلاف كتب مكتبة الأسرة فكان يذكرني لهم ، وكانوا يثنون علي من يقرأ هذه النوعية من الكتب والصحف دون أن يعرفونني وهذا سر ثقته العمياء في شخصي وهذا ما جعله لشخصي مرجعية له في كل شيء حتي في طبيب المنصورة ودواءه .
قابلت محمد بعد فترة انقطاع بعد انتشار الفيس بوك فوجدته شخصا غير الذي أعرفه فقد تبدل حاله للأسوأ من انطفاء وحزن يقبض ويعيش تحت فكرة أنه بلا سقف ولا غطاء فارقته إبتسامة كنت أقرأ من خلالها وعدا بلقاء الغد ،و مزيد من الكتب والصحف والعلم والمعرفة ،فسألته وأنا أعلم بالجواب أكثر منه لماذا أنت على هذه الحالة من تشاؤم لو وزع على اهل مدينة لباتوا حزاني؟ فقال:
ـ بأسي لم يعد للجرائد والقراءة الورقية سوقا كما تعرف… وأصبحت بلا عمل لم أتخيل نفسي :أعمل غير هذه المهنة التي قتلها الإنترنت … و… ، فنظرت لما يحمل تحت ابطه من أعداد قليل من الصحف فقال رداً على نظرتي :لم ابع منها منذ الصباح إلا نسخة واحدة….،فربت على كتفه مواسيا؛ ولم اجد ما اقوله لمحمد المتمسك بعالمه, ولكن هذا العالم ترك محمدا غير مأسوف عليه إلى غير رجعة
المشاعر الأولى تظل تسكن قصراً منزويا في منطقة ما هناك بالوجدان هي سرنا الأبدي المنقوش من هذه المشاعر والذكريات صورة محمد بائع الصحف.








