
بقلم خالد الحديدي
حين تقرأ خبراً عن إصدار حكم بجلد مغنية بسبب غنائها، قد تظن لأول وهلة أنك تقرأ حادثة من عصور بعيدة، أو خبراً من صفحات التاريخ التي تتحدث عن محاكم التفتيش ومطاردة المختلفين. لكن المفارقة أن الخبر معاصر، وأن الضحية ليست شخصية تاريخية، بل فنانة تعيش في القرن الحادي والعشرين.
لقد أصدرت محكمة إيرانية حكماً بجلد المغنية باراستو أحمدي 74 جلدة، ومنعها من السفر وممارسة النشاط الفني لمدة عامين، كما شمل الحكم عدداً من أعضاء فرقتها وفريق الإنتاج. وجاء ذلك على خلفية حفل غنائي بُث عبر الإنترنت، اعتبرته السلطات مخالفاً لما تسميه الآداب العامة.
لكن القضية في جوهرها أكبر من فنانة وأكبر من حفل غنائي. إنها تكشف أزمة عميقة يعيشها كل نظام سياسي يخلط بين الدولة والعقيدة، وبين القانون والتفسير الديني، وبين السلطة السياسية والوصاية الأخلاقية على المجتمع.
فالدولة حين تتحول إلى رقيب على الضمائر لا تعود دولة بالمعنى الحديث، بل تصبح مؤسسة ضخمة لإدارة حياة الناس الخاصة. تبدأ بتحديد ما يجب أن يلبسه الإنسان، ثم ما يجب أن يقوله، ثم ما يجب أن يقرأه، ثم ما يجب أن يؤمن به. وعند هذه النقطة لا يبقى فارق حقيقي بين المجال العام والمجال الخاص، لأن السلطة تصبح حاضرة في كل شيء.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: ما الخطر الذي يشكله الغناء على الدولة حتى تستدعي مواجهته بالعقوبات والسجون والجلد؟
إن الدول القوية لا تخاف من الأغاني، ولا من الروايات، ولا من المسرح، ولا من الموسيقى. الدولة التي تثق بنفسها وبمجتمعها لا ترى في الفن عدواً، بل جزءاً من الحياة الطبيعية للمجتمع. أما حين يتحول الفن إلى قضية أمنية، فإن المشكلة غالباً لا تكون في الفن، بل في هشاشة السلطة نفسها وخوفها من أي مساحة مستقلة خارج سيطرتها.
التاريخ يعلمنا أن أول ما تستهدفه الأنظمة الشمولية هو حرية التعبير. قد تختلف المبررات من نظام إلى آخر؛ فمرة يكون المبرر حماية الثورة، ومرة حماية الأمة، ومرة حماية العقيدة، لكن النتيجة واحدة دائماً: إخضاع الإنسان لسلطة لا تقبل الاختلاف.
ولهذا فإن القضية لا تتعلق بإيران وحدها، ولا ينبغي النظر إليها بوصفها شأناً إيرانياً داخلياً فحسب. إنها نموذج لمشكلة أوسع عرفتها مجتمعات كثيرة عبر التاريخ، حين اعتقدت السلطة أنها تملك الحقيقة المطلقة، وأن من حقها فرض هذه الحقيقة على الجميع.
إن أخطر ما في الحكم الديني ليس وجود الدين في المجال العام، فالدين جزء أصيل من حياة الشعوب، بل الاعتقاد بأن فهماً سياسياً معيناً للدين يجب أن يتحول إلى قانون ملزم لكل الناس. هنا يبدأ الخلط بين المقدس والبشري، وبين الإيمان الحر والطاعة المفروضة، وبين العقيدة التي يختارها الإنسان بنفسه والتفسير الذي تفرضه السلطة عليه.
ومنذ اللحظة التي تحتكر فيها السلطة تفسير الدين، يتحول أي اختلاف معها إلى جريمة. لا يعود الخلاف خلافاً سياسياً أو فكرياً، بل يصبح خروجاً على المقدس نفسه. وهنا تكمن خطورة الأمر؛ لأن النقاش يتوقف، والحوار يختفي، ويحل العقاب محل الإقناع.
إن المجتمعات لا تتقدم بالخوف، بل بالحرية. ولم تتطور أمة في التاريخ لأنها منعت الغناء، أو حاربت المسرح، أو ضيقت على الأدب والفنون. الأمم تتقدم حين تطلق طاقات أبنائها، وحين تسمح بتعدد الأصوات والأفكار والرؤى.
واللافت أن الأنظمة التي تنشغل بملاحقة الفنانين والكتاب والمفكرين غالباً ما تعجز عن تقديم حلول حقيقية للمشكلات الكبرى التي تواجه شعوبها. فبدلاً من معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تتحول المعركة إلى معركة ضد الأغنية والكتاب واللوحة الفنية. وكأن المشكلة الأساسية في المجتمع ليست الفقر أو الفساد أو القمع، بل صوت مغنية أو قصيدة شاعر.
لقد أثبتت التجارب أن قمع الفن لا يقضي عليه، كما أن قمع الأفكار لا يؤدي إلى اختفائها. كل ما يفعله القمع هو دفعها إلى العمل في الظل، ومنحها قوة رمزية أكبر. فالفكرة التي يُسمح بمناقشتها قد تُقبل أو تُرفض، أما الفكرة التي تُمنع بالقوة فإنها تتحول إلى سؤال دائم حول سبب الخوف منها.
ولهذا فإن قضية باراستو أحمدي ليست مجرد قضية فنية، بل قضية حرية إنسانية في المقام الأول. إنها تتعلق بحق الفرد في أن يغني أو يكتب أو يرسم أو يعبر عن نفسه دون أن يخشى العقاب الجسدي أو الملاحقة القانونية.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الحكومات التي تنصب نفسها حارسة على العقول والضمائر. ما يحتاجه هو دول تحترم الإنسان بوصفه مواطناً حراً، لا تابعاً يحتاج إلى وصي دائم. فالدولة العادلة لا تسأل مواطنيها كيف يفكرون أو ماذا يغنون، بل تسأل نفسها كيف تضمن لهم الحرية والكرامة والحقوق.
ومن هنا فإن الدرس الذي تقدمه هذه الواقعة يتجاوز حدود إيران. فكل سلطة دينية أو أيديولوجية أو سياسية تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة تحمل في داخلها الميل نفسه إلى القمع. وقد تختلف الأدوات من مكان إلى آخر، لكن الجوهر يبقى واحداً: الخوف من الإنسان الحر.
إن الشعوب لا تنهض بالجلد، ولا بالمنع، ولا بالمصادرة، ولا بالوصاية. الشعوب تنهض حين تُعامل باعتبارها شريكة في صناعة مصيرها، لا باعتبارها قاصراً يحتاج دائماً إلى من يقرر عنه كيف يعيش وكيف يفكر وكيف يعبّر عن نفسه.
ولهذا فإن الدفاع عن حرية باراستو أحمدي ليس دفاعاً عن مغنية فقط، بل دفاع عن مبدأ أوسع وأعمق: حق الإنسان في أن يكون إنساناً حراً، وحق المجتمع في أن يعيش بعيداً عن سلطة ترى في الأغنية جريمة، وفي الفن تهديداً، وفي الحرية خطراً يجب القضاء عليه.
