
عـادل عطيـة
كنتُ وحيدًا حين انقطع التيار الكهربائي، فأسرعتُ إلى إشعال شمعة.
ولعلّ نور الشمعة من الأشياء القليلة في الدنيا التي توقظ في النفس نشوةً خفيّةً وسعادةً دافئة؛ إذ تشتعل متوهّجةً حتى ليبدو لهيبها كأنه يصعد إلى السقف، ثم يتجاوزه إلى النجوم، فيغمر الأشياء ببهاءٍ شفيفٍ وعجيب.
حمل قلبي نورها، وأحسستُ بصدق ما قاله الفيزيائي والكاتب الألماني جورج ليشتنبرج:«إن الإنسان يحب الرفقة… وإن تكن رفقة شمعةٍ صغيرةٍ تحترق».
ولِمَ لا؟ والشمعة من أقرب الأشياء إلى قلب الإنسان؛ بينه وبينها أواصر أُنسٍ ومودّةٍ قديمة الميلاد. ترافقنا متألقةً في أفراحنا واحتفالاتنا، وتؤنسنا حين تفرض العتمة سلطانها. ويبقى سحرها آسرًا رغم كل ألوان الأضواء الحديثة؛ فثمة تناغم وجداني أصيل يجمعنا بها، ربما لأنها تحكي قصتنا المشتركة، وتكشف ما بيننا وبينها من أسرارٍ خفيّة لا يدركها إلا من امتلك شيئًا من حكمة القلب.
إن الشمعة رمزٌ رائعٌ لإنكار الذات.
لم تقل يومًا: حين كانت لكم أنواركم الكهربائية وضعتموني جانبًا، ونسيتم وجودي.
ولم تحاول أن تصير نورًا كهربائيًا، ولا أن تؤدي عمل الكهرباء.
اكتفت فقط بأن تكون شمعة… تؤدي عمل الشمعة، وهذا كل ما تستطيع أن تمنحه. فهي لا تبغي إلا أن تتحوّل إلى جدولٍ من الضوء السائل، ينساب في نشوةٍ كأنه ينبع من قلب أم.
ولكي يستمر ضياؤها، لا بد أن تذوب.
إنها تنحلّ قليلًا قليلًا، في احتراقٍ كاملٍ وصامت، بلا كلمة احتجاج، بلا شكوى، بلا آهةٍ واحدة من آهات الليل؛ فقط لكي تهبنا آخر شعاعٍ تملكه. وبينما هي منهمكة في رسالتها، تتساقط منها بين الحين والآخر قطراتٌ ملتهبةٌ بأتون المحبة، تهمس بسرّ البذل، وتذكّرنا بحبّة القمح التي تموت في التراب لتمنح الحياة لسنابل ممتلئة بالخير.
ليتنا ننحني يومًا، ونتلقّى بأطراف أصابعنا تلك القطرات الساخنة المتساقطة من الشمعة، ونتأملها طويلًا، لعلّنا نفهم سرّ القلب الذي يذوب لكي يضيء.
فالشمعة لا تعلّمنا كيف نرى الأشياء فحسب، بل كيف نصير شيئًا يستحق أن يُرى…






