
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@yahoo.com
مقدمة لا بد منها:
المقال التالي نُشرخلال اكتوبر عام 2016 في الجريدة ” صوت بلادي ” أي منذ عشر سنوات ؛ وقد يسأل البعض وما الذي ذكرك به ! ؛ أُجيب وعلامة التعجب تسير أمام كلماتي عن أحوال طبقة من الشعب لم تر النور منذ فترة طويلة خلال فترات الحكم السابقة فازداد الظلام حولها جارة معها الطبقات الأعلى منها إلى ظلام أكثر ؛ دائما الشعوب تأمل في الغد وعندما أقول الغد أُعنى بضعة أشهر أو عام على الأكثر لتتحسن أحوالها المعيشية ؛لكن أن يأخذ المستقبل معه طبقات أخرى من الشعب كان لها بصيص النور إلى الظلمة هنا تظهر علامة التعجب بل علامات التعجب راقصة رقصة حزينة حتى أمام رغيف الخبز فقط ؛ هذا المقال الذي مضى عليه عشر سنوات واضح أن الأمل كان يراودني في حكم الرئيس السيسي وأنها ستنسينا التحدث عن رغيف الخبز بالنسبة للطبقات الفقيرة والتي الآن جرت معها طبقات أعلى وللأسف هذه الطبقات هي التي درست وتعبت وأصبحت هي المحرك أو الموتور الذي يولد طاقة من النور ؛ أقولها وأنا واثق أنه لم يمكن العتاب ولو على حرف واحد منها ؛ نعم فعلت الكثير من الإصلاحات سيادة الرئيس في البنية التحتية ؛ لكن بالنسبة للشعب أقولها وكلي أسف وخاصة الطبقة المتعلمة التي هي المحرك الرئيسى فأنها وقعت تحت معاناة معيشية أكبر مساحة وأكثر عمقا وأقولها بالفم المليان أن الخطأ أو الغلطة ممكن أن تكون نتيجة أنك اتجهت للعلاقات الخارجية وتركت أحوال البلد لحكومة لا تعرف شرق البلد من غربها ولا شمالها من جنوبها ؛ حكومة ورئيس وزرائها في المقدمة تقع تحت مقولتي التي تتقدم أي موقف لست راضيا عنه ” تتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى ” ؛زاد عليها أحزاب نظام ” متزوقيني ياماما ” ؛ أما مجلس الشعب ومجلس النواب فهما كلمات لا محل لهما من الإعراب ؛ سيادة الرئيس أرجو ألا تنظر إلى طبقة المصفقين والراقصين في الساحل الشمالي ؛ بل أنظر إلى الطبقات التي لا تزال تسبح في ماء النيل هروبا من حر الصيف ؛ حقيقي لم أجد تعبيرا أفضل من هذا الوصف لهذه الطبقات المطحونة وخاصة كبار السن الذين عاشوا ويعيشون ولا يزال الأمل يحدوهم أن تنتهي قصة ” لفوا الحزام حول البطون ” . الرئيس السيسي أنت تُصر على تكليف رئيس الوزراء نفسه باختيار وزارة أو تغيير بعض الوزراء كأنك تقول للشعب ” إللي يعيش يعيش واللي يموت يموت ”
الواقع المُلح.. المستقبل المرتقب.. مطالب الشعب
لا يوجد شعب ليس له واقع يعيشه ومستقبل يترقبه ويأمل فيه، لا يوجد بلد لا يعيش واقعه ويأمل في مستقبله، الإنسان في مجموعه يُكَون الشعب المرتبط بالبلد الذي نشأ فيه أو ما نسميه بالوطن، إذاً هناك علاقة تربط بين الجميع وهي الواقع والمستقبل. إذا استثنينا الله وأحكامه وإرادته فالذي يتحكم في هذا الواقع والمستقبل هو السلطة الحاكمة فقط في الحكم الديكتاتوري، أما في الحكم الديمقراطي فهو السلطة الحاكمة والشعب متمثلاً فيمن يمثله من المجالس النيابية وغيرها، العامل المشترك دائماً هو الشعب ومطالبه سواء في الحكم الديكتاتوري أو الحكم الديمقراطي. بالنسبة إلى مصر من يقول أنها تمتعت يوماً واحداً بالحكم الديمقراطي منذ ثورة 1952 فهو يعيش في الوهم ، البعض ممن حكموا تحدثوا عن الديمقراطية كمن يتحدث عن قشرة البيضة التي لا حول ولا قوة لها أمام أي نقرة عليها ، لا أريد أن أدخل في الماضي وسأتركه لحكايات القهاوي وعازف الربابة وكان يا ما كان ، أما الحاضر فلا بد من الخوض فيه ، الحاضر الذي أقصده هو منذ ( 25 يناير ) الحائر بين الثورة والانتفاضة امتدادا إلى المؤامرة أو أي مسميات أخرى حتى ولو كانت من باب الخيال فلندع أصحاب كل مسمى يعيشون فيه فلم تعد له أهمية سوى الذكرى وصدقة توزع على روحه وإذا لزم الأمر بضع آيات تقرأ للترحم . يقولون دوام الحال من المحال وخاصة إذا كان هذا الحال سخطاً من المساخيط وما تمخض عن ” 25 ” يناير لا يمكن وصفه سوى بالمساخيط التي حاولت أن تتجمل بأدوات التجميل من كل صنف ولون لكن المسخوط يظل مسخوطاً حتى لو أغرقته في بحر من التجميل ، هكذا كان حكم الإخوان لم يقترب من الديكتاتوري ولم يلمس الديمقراطي والحكم المسخوطي هو الأقرب إليه فسخطه الله إلى غير رجعة ولا عودة . كما قلت أن الماضي ذهب وذهبت معه أمراضه التي ستحتاج إلى وقت للشفاء منها وما بعدها من فترة النقاهة، تعبير ” النقاهة ” هو ما وددت أن أعبر عنه بالنسبة إلى واقعنا الحاضر وقد أكون في خطواتي للوصول إلى هذه التعبير أبدو كأعرج دخل في سباق للمسافات الطويلة. حقيقي نحن الآن في فترة النقاهة، النقاهة من أمراض كثيرة أصابتنا عبر سنوات الماضي الضائعة في أحلام وأوهام كاذبة، نحن الآن في فترة نقاهة الحكم، النقاهة من أمراض الشعب بكل أنواعها والتي يمكن أن يصل بعضها إلى الوصف بأنها من الأمراض المزمنة وعندما أتحدث عن الشعب فأنا أقصده بكل طوائفه من عامل النظافة حتى المتربع فوق الدرجات العليا. من يحاول أن يحكم الآن أو يبدي بعض المفهومية في أن يحدد إن كنا نعيش الآن تحت الحكم الديكتاتوري أم الديمقراطي فمن المؤكد أن عقله خارج نطاق الفهم تماماً ولم يفهم معنى كلمة ” نقاهة “. نحن نحاول حتى الآن أن نوجه الحكم نحو الديمقراطية لكن لا بد أن يتم الشفاء تماماً من كل الأمراض وأن نعلن الخروج من فترة النقاهة وإننا أصبحنا في تمام الصحة من حيث الفكر والسلوكيات والنظرة السليمة لمعنى الوطن والمجتمع ومع كلمة المواطنة التي حتى الآن لم يدركها البعض ، ليس من العيب أن نعلن إننا حتى الآن لسنا بالأصِحاء وأننا نعيش فترة النقاهة بل البعض لا يزال مريضاً ونطلب له الشفاء وإننا لا نفهم حتى مفردات كلمة الديمقراطية والمعايشة السليمة بين أفراد المجتمع والوطن الواحد ، البعض يظن أن نوعية الحكم يحددها الرئيس لوحده أو السلطة بصفة عامة ، نعم يمكن أن يكون هذا الطرح صحيحاً 100% لو أنه حكم في شعب تقول له وقع باسمك فيتفل على أصبعه ويبصم ، تحضرني بهذه المناسبة واقعة والله أعلم إن كانت نكتة أم حدثت بالفعل ، قالوا أن عبد الناصر عندما زار الصعيد وكما يقال ” الصعيد الجواني ” حيث الناس لم تغادر القرى البسيطة التي تعيش بها ، هتف الشعب هناك بكل حرارة للرئيس ( أنت العسل واحنا البلاليص ) والبلاليص جمع بلاص وهو وعاء من الفخار كانوا يحفظون به العسل ، فكان من المستحيل أن يكون عبد الناصر ديموقراطياً مع شعب معظمه يرى أنه لا يزيد عن البلاص أمام الحاكم فقرر عبد الناصر أن يستخدم ديكتاتورية العسل على البلاليص !!!!!! ، أذكر هذه الواقعة أو النكتة بمناسبة حديثي عن أن نوعية الحكم يحددها الشعب قبل السلطة ، هذا إذا كان الشعب يملك من الوعي والمقومات ما يكفي أن يحقق هذا بكفاءة ، لكننا للأسف لا نزال حتى هذه اللحظة نعيش فترة النقاهة ، إذاً علينا أن أولاً أن ننال تمام الشفاء حتى نكون جديرون بأن يكون صوتنا قادراً أن ينطق بكلمة الديمقراطية بكل فصاحة وقوة وأن يكون على الأقل 50 % من الشعب يملك زمام فكره حتى يعوض النصف الآخر الذي لا يزال للأسف يعيش في فكرالعسل والبلاليص !!!!! . تنقُلنا هذه المقدمة الطويلة إلى الواقع المُلح الذي يطالبنا بأن نخرج من جلدتنا السميكة لتكون لنا جلدة رقيقة حساسة لكل ما يحدث حولنا بنباهة وذكاء وسعة أفق ونفرق بين الصالح والطالح ، الصالح نحو وطنه والطالح الجاحد بنعمة هذا الوطن ، الواقع المُلح مجموعة من العوامل يمكن ان نطلق عليها بكل سماحة عوامل معقدة أو متداخلة يجب أن نفصل بينها بدقة الجراح الماهر الذي يُحرك مشرطه بين أنسجة القلب دون أن يتلفها فهو يتحرك بين عوامل سياسية واقتصادية وأمنية وفي مقدمتها عوامل شعبية أي المطالب والاحتياجات الشعبية ، سأبدأ بالمطالب الشعبية أو الاحتياجات الشعبية لأنها تمثل الواقع المُلح بالفعل ، الطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة والمعدومة تمثل بين 80 _ 90 % من الشعب ، وكل طبقة لها احتياجاتها فالمُعدم يريد أن يعيش وتحت المتوسط يريد أن يصعد إلى وجه الدنيا كما يقولون والمتوسط يبحث عن بعض الرفاهية التي ترفل فيها طبقة الأغنياء ، كل فئة لها مطالبها ليخرج الشعب من مذلة تعبير ” تحت خط الفقر ” لأن هذا كما قلت له التأثير الكبير فيما بعد في أن يكون الشعب قادراً على أن يفهم معنى الديمقراطية ويطالب بها . الرئيس الحالي الذي اعتلي سدة الحكم في هذه الظروف لست أعلم هل الأدق أن أشبهه برب البيت المغلوب على أمره أم ” دون كيشوت ” الذي كان يحارب طواحين الهواء ، نظرات الرئيس دائما تنطق دون كلمات ” العين بصيرة والأيد قصيرة ” ، يحاول ويحاول لكن الشعب ” أفواه وأرانب ” ، الشعب كان ” أفواه وأرانب ” ولا يزال ” أفواه وأرانب ” وسيظل ” أفواه وأرانب ” إن لم تمتد يد التوعية في كل شارع وكل حارة وكل زقاق ، التوعية بكل الأمور ، حتى الآن لم نر يد التوعية طالت وامتدت لتصل إلى عالم العسل والبلاليص ، دائماً لا تتعدى القشرة وهذا من أهم أسباب الواقع المؤسف الذي وصلنا إليه ، الحديث دائمأ يقتصر على العاصمة الأولى والثانية والمدن الكبرى ، أما الجزء الأكبر من الوطن الذي يعشش عليه الظلام ولا تشرق عليه الشمس أبداً فهو خارج دائرة الحسبان لأي وزير أو مسئول وأتحدى لو رفع أي واحد سواء من الزمن الماضي أو الحاضر ونطق بكلمة أنت ” تخرف ” يا رجل أو يتجرأ ويكذبني ، لأني لم أذكر سوى الحقيقة . كلمة وطن تعني الوطن والمواطن من حيث حدوده من كل جانب ولا تقتصر على فئة فقط ، مطالب الشعب دائماً هي التي تعلو على السطح وتقول الحقيقة ، حقيقة الحكومات أن كانت ناجحة أم فاشلة ، الحكومات التي تُلقي بالذنب على الإمكانيات والتي أصبحت كلمة معتادة نستمع عليها مع كل حكومة تأتي منذ الماضي البعيد لا تعرف معنى المثل العامي الذي يقول ” الشاطرة تغزل برجل حمار ” نريد أن نرى حكومة شاطرة تغزل بالإمكانيات الموجودة ومصر خيرها كثير لو وُجد من يعرف كيف يوجهه ويستفيد منه وهذا هو ما يسعى إليه الرئيس السيسي بكل جهده لكن كما يقولون ” يد واحدة لا تصفق ” يجب أن يجد حوله العقول البناءة وليست الهدامة ، العقول المتيقظة وليست النائمة ، أعتقد أن كثيراً من المسئولين يسير بمبدأ من يعمل كثيراً يخطئ كثيراً ويعاقب كثيراً فيفضل النوم على مكتبه!!!!! ، مطالب الشعب نلتمس العذر لها فهو يريد أن يعيش لكن لا نلتمس العذر لمن يتكاسل في أداء واجبه لأنه يتلف ما يعمله الذين يعملون . الواقع المُلح يقول أنه أمامنا الوقت لنتخلص من الجالسين فوق تلال التفاهة ورأينا منهم الكثيرين منذ 30 يونيه وحتى الآن ، يكفي أن تأتي كلمة الأحزاب أمامي حتى أشعر بالامتعاض والأسف على مخلوقات لا يمكن أن تجدول في جدول الرجولة الوطنية أو الحس الوطني ولا تزن مقدار قمحة فوق ميزان السياسة لأن ما يلعبونه خرج عن خط السياسة الواضحة والصريحة وتدحرج إلى خط سياسة ألاعيب السيرك ، الواقع يُلح على الجميع لاتخاذ خطوات تسير للأمام لنخرج من فترة النقاهة ونشفى ووقتها سنعرف كيف ننطق بكلمة الديمقراطية ونطالب بها فحتى الآن ننطق بها كأخرس لا تُفهم له كلمات . دعونا نوازن بين الواقع المُلح وما يتبعه من مطالب الشعب وبين النظرة المستقبلية التي توحي بالكثير من الأمل في أن ننتقل إلى الأفضل نقلة لم تحدث في أي عصر وننسى الماضي وذكرياته الأليمة والأحزمة التي تلف على البطون ، بل يأخذني التفاؤل إلى الدخول في منطقة الرفاهية التي لم نعرفها أبداً ، نسمع عنها ونتحسر على حالنا فقط ، أنا لا أكتب الكلمات كموضوع إنشائي بل كحساب يحكمه العقل ، مجموعة المشروعات التي أطلقها الرئيس لم ولن يفهمها سوى أصحاب النظرة البعيدة جميعها تقول أنها مشروعات واعدة ، إن ما يبذله الرئيس في سياسته الخارجية وعلاقاته المبصرة مع جميع الدول يقول أن الربح منها سيظهره المستقبل سواء القريب أو البعيد ، نعم مطالب الشعب الآن يجب النظر إليها لكن في نفس الوقت يجب ألا ننسى كل ما أُنجز بالنسبة للمستقبل وإلا فلا فائدة ترجى ومهما حصل الشعب على مكاسب الآن دون بناء المستقبل سنعود إلى أسوا مما كنا عليه وهذا هو الخطأ الفادح أو المميت الذي وقعت فيه أدوات الحكم السابقة ، لم تكن نظرتهم تزيد عن أسفل أقدامهم فانهارت البنية الأساسية للدولة بجانب عدم تحقيق الإنجازات التي تتناسب مع التقدم أو الزيادة السكانية أو ازدياد المطالب مجاراة للدول المتقدمة . لكي تتحقق معادلة الواقع المُلح والمستقبل المرتقب وربطهما بمطالب الشعب لا بد من أن نعي معنى التضافر بين الشعب وقيادته وأن يقوم الجميع بأدوارهم المطلوبة بكل شجاعة وإيمان بأن العمل هو الطريق للوصول إلى كل طموح ، يجب أن يكف هؤلاء الذين يلذ لهم العيش في المهاترات السياسية وأن يعلموا جيداً أن الشعب قد فاق من غفوته ويستطيع أن يميز بين الغث والسمين ، بين الرجال وأشباه الرجال ، بين منطق الحق ومنطق الباطل ، يجب أن يعلم الجميع أنه لو ضاع هذا الرئيس من مصر ليس عليهم سوى الندب والعويل ولا عزاء في مصر ولا في شعبها ومرحباً بالبوم وكل طيور الظلام
