
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@yahoo.com
ومن أين تأتي المقارنة بين السيد المسيح الذي كان يجول يصنع خيرا والقائد جنكيزخان الذي كان يجول يصنع شرا ؛ لكن عندما تأتي المقارنة الوقحة من رئيس وزراء إسرائيل ” بنيامين نيتنايهو ” فلا ملامة ولا تعليق لأنه كما الطيور تقع على أشكالها تقع العقول على أشكالها ؛ فإذا كان نتنياهو قد اقتبس مقولة ” التاريخ يثبت أن المسيح ليست له أفضلية على جنكيزخان ” من المؤرخ ” ويل ديورانت ” لأن له إعجابه الشديد بمؤلفاته أود أن أقول له ليس مجرد الأعجاب بشخص ما يدعم تقليده وليس الإعجاب بمؤلف يبيح أن نأخذ من كتاباته عنوانين لما نكتبه ؛ فقد تؤخذ كلمات قيلت في مناسبة وتقال في مناسبة لا وجه للمقارنة بينهما وهذا ما فعله نتنياهو لمجرد إعجابه ب ” ويل ديورانت ” اقتبس هذه المقولة وهي لا تمت للواقع بصلة فلا مجال للمقارنة هنا . السيد المسيح ملك السلام الذي قيل عنه ” قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيل مدخن لا يطفئ ” بالتأكيد لا يزج بأسمه في الساحات الدموية. المناسبة جميلة لأن تأتي كلمات نتنياهو في هذه الأيام المجيدة وهي قيامة السيد المسيح لأكتب مقالي تحت عنوان ” ما بعد القيامة ” والمقصود منها قيامة السيد المسيح فقد تصل إلى نتنياهو ويفهم أنه لا مجال لزج باسم السيد المسيح إلى جانب قاتل مثل جنكيزخان مؤسس الإمبراطورية المغولية.
مـا بعد القيامـة
يأتي عيد القيامة المجيد دائما بعد فترة صوم طويلة وهذا لأن حدث القيامة هو حجر الأساس الذي قامت عليه المسيحية، لأن صلب السيد المسيح وقيامته من بين الأموات فتحت باب السماء للجميع ونهاية لعقوبة الموت الأبدي الذي قُضي به على البشرية جميعا بعد خطيئة آدم وخروجه من الجنة كأول خاطئ في تاريخ البشرية، خطيئة فادحة وسقطة لا تصلح لها توبة ولا يغفرها سوى الفداء العظيم. فداء عظيم تم على خشبة الصليب ودماء طاهرة للسيد المسيح له المجد وموت انهزم أمام قيامة جبارة. ولو أردنا الوصول إلى أحداث ما بعد القيامة يجب أن نبدأ مما قبلها فهي حلقة من أحداث أو سلسلة لا يمكن فصلها عن بعضها، حلقة تسلم حلقة وأحداث تسلم بعضها منذ ولادة السيد المسيح المعجزية بتجسده بالروح القدس في أحشاء السيدة العذراء، ولادةجاءت بعد أنبياء مروا بتاريخ طويل منذ موسى النبي وانتهت بولادة يوحنا المعمدان الذي أتي قبل السيد المسيح بستة أشهر ليهيئ الطريق أمامه ويدعوا لمعمودية التوبة التي هي كانت بالماء فقط ولم ترتق إلى معمودية الروح القدس التي كانت بعد مجيء السيد المسيح. ولادة السيد المسيح من العذراء مريم كان مرتبا لها عبر أجيال طويلة، فليست أي واحدة من بنات حواء تصلح لهذه المهمة المقدسة ولا تتحمل قوتها وعظمتها، صفات لم توجد سوى في العذراء الطاهرة التي اتت من أبوين قديسين ونُذِرت للهيكل منذ طفولتها، ثم خُطِبت بعد انتهاء فترة وجودها بالهيكل حسب الشريعة في ذلك الوقت أو بمعنى أدق سُلِمت لواحد من عشيرتها ليرعاها هو القديس يوسف النجار، الذي كان بمثابة الأب لها وسار معها بوحي إلهي في كل خطواتها هي وطفلها ” يسوع ” الذي بُشرت به السيدة العذراء بواسطة الملاك جبرائيل. أتت الأحداث متعاقبة مثيرة للعجب منذ هروب الطفل يسوع المسيح مع أمه ويوسف النجار إلى مصر من وجه هيرودس الملك الذي كان يريد أن يقتله خوفا على كرسيه الذي تهدده نبؤه الملك القادم ليطرده من فوق عرشه، ثم عودة السيد المسيح بعد موت هيرودس، وتقدم في العمر إلى أن وصل إلى سن الثلاثين ليبدأ طريقه بتعاليم رائعة لتكون أساسا للمسيحية ثم طريقه نحو الفداء أو نحو الصليب. السيد المسيح بالرغم من أن لاهوته لم يفارق ناسوته ولا لحظة أو طرفة عين ، لكنه عاش عمره حتى الثلاثين ليكون إنسانا وسط الناس فهو يريد أن يراه الناس كإنسان عادي بل وفقير ليس ملكا متوجا مثل ملوك هذا العصر أو رؤساء الكهنة وغيرهم من أصحاب السلطة والثراء ، أراد أن يكون بسيطا مثل باقي الناس ويعرفونه منذ نشأته ليكون قريبا منهم ، بدء السيد المسيح طريقه وعينه على الصليب ، اختار تلاميذه الإثنى عشر من الفقراء أيضا الذي يعمل معظمهم في صيد السمك ، اختارهم وهو يعلم ضعفاتهم بل يعلم أن أحدهم سيكون هو مسلمه بعد ذلك ليصلب ، لكن بالتأكيد اختياره كانت له أسبابه بعد أن فحص قلوبهم وعلم أنهم بعد ذلك سيسيرون إلى الاستشهاد من أجل أسمه بنفوس فرحة ، أما ابن الهلاك ” يهوذا الإسخريوطي “فلقد صار إلى الموت وشنق نفسه لأنه كان ابن الهلاك منذ بدايته .
سار السيد المسيح له المجد إلى الصليب بكامل إرادته، بل كان كثيرا ما كان يحاول أن يخفي نفسه أو أعماله خوفا من أي شيء يعطله عن طريقه الذي أتى من أجله، خاصة الشيطان الذي خاض معه التجربة فوق الجبل، سار بكامل إرادته لكي يصلب ويكون فداءً للبشرية وبقيامته يكون الرجاء لكل البشر في الحياة الأبدية. تحققت إرادته على الصليب وتحقق لاهوته بالقيامة المجيدة وخلاصه للبشرية، أحداث القيامة بكل عظمتها كانت بمثابة عودة الروح في كل من تشككوا عندما رأوه على الصليب مصلوبا بين اثنين من الأثمة، حتى تلاميذه بضعفهم البشري تشككوا وخافوا وهذا يوضح لنا مدى أهمية أحداث القيامة وما بعدها من ظهور السيد المسيح للناس لمدة أربعين يوما بعد قيامته فأوّل شيءٍ فعله السيد المسيح بعد قيامته هو سماحه للجميع برؤيته والتأكيد على وجوده والتأكيد على حقيقة قيامته. بالإضافة إلى ذلك، أعاد ظهوره بعد القيامة علاقته بالناس إلى ما كانت عليه عندما كان يعمل في الجسد، ليكون هو المسيح الذي استطاعوا رؤيته ولمسه قبل صلبه، وكانت إحدى النتائج الهامة بل الجوهرية هي أن الناس لم يكن لديهم أدنى شكٍّ في أن المعلم الرّبّ يسوع قام من الموت بعد أن سُمّر على الصليب، ولم يكن هناك شكٌّ في عمله لفداء البشريّة، والنتيجة الثانية هي أن حقيقة ظهور السيد المسيح للناس بعد قيامته والسماح للناس برؤيته ولمسه أمنّت البشريّة تأمينًا قوّيًا ليؤمنوا ويكون إيمانهم قويا. ومن هذا الوقت لم يستطع الناس العودة إلى العصر السابق، عصر الناموس، لكنهم واصلوا إلى الأمام تابعين تعاليمه والعمل الذي أتمّه، والناس الذين كانوا تحت الناموس خرجوا رسميًّا من الناموس منذ ذلك الحين ودخلوا في عهدٍ جديد ببدايةٍ جديدة. معنيان وراء ظهور السيد المسيح للناس لمدة 40 يومًا بعد قيامته. أحدهما هو أنه جاء ليخبر الإنسان أن الله قد أنهى عصر الناموس، وأنه قد بدأ عصر لإيمان الحقيقي وليس الحرفي. المعنى الآخر هو أن الله فعل هذا من أجل أن يتأكد الناس من أن السيد المسيح هو الله المتجسد نفسه، ” الله المنظور ” وبالتالي تعزيز إيمانهم بالله ويمكن تلخيصها :

1- لقد قام السيد المسيح من بين الأموات وظهر للإنسان ليقوده إلى الإيمان القوي.
لقد بدأ السيد المسيح تعاليمه بالمناداة بالتوبة: ” توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات”. صنعَ العديد من المعجزات، مثل شفاء المرضى، وطرد الشياطين، وإقامة الموتى، والأعمى يبصر، والمشلول يحمل سريره ويمشي، والكثير من المعجزات التي لا تعد ولا تحصى التي لو كتبت واحدة واحدة فأن كتب العالم لا تسعها كما كتب الإنجيلي يوحنا البشير في بشارته، ليتمكن الناس من التمتع بالنعمة الوفيرة التي جاءت من الله ويروا بأعينهم هذه المعجزات لتكون قوة لهم فيما بعد. لكن أهل ذلك الزمان لم يعرفوا إرادة الله، ولم يكن لديهم أي فهم حقيقي لكون السيد المسيح هو تجسد الله. وعندما صُلِبَ، كان الناس ببساطة غير مدركين أن هذا الصلب هو الغاية للوصول إلى عمل الفداء، وبالتالي شعروا بالسلبية والضعف. لقد بدأ الناس يشكون في هوية السيد المسيح، حتى أن البعض عادوا إلى ما قبل وبدأوا بالالتزام بحرفية ناموس العهد القديم وكأن مجيء السيد المسيح لم يحقق شيئا أو بمعنى أدق لم يتم سوى نصف العمل الذي جاء من أجله لفداء الجنس البشري، لأن الناس كانوا لا يزالوا معرضين لخطر الموت الأبدي بموجب الناموس وذلك بسبب خطاياهم. لقد تفحص السيد المسيح قلب البشر وفهم تمامًا احتياجاتهم وأوجه القصور لديهم. لذلك، بعد قيامته، ظهر وتحدث أولاً مع تلاميذه والناس، وأجرى تواصلاً حقيقيًا معهم ومَكَّنَهم من أن يروا أنه قد عاد حقًّا من بين الأموات، وأنه قد أنجز عمله لفداء البشرية. وفي ظل تعاليمه العظيمة والتي بلغت قوتها في الموعظة على الجبل ، بدأ الناس يدركون قيمة هذه التعاليم الرائعة ويمارسون حياتهم وفقًا لهذه التعاليم ، وحملوا الصليب وذهبوا في طريق الكرازة كما قال لهم السيد المسيح يدعمهم بل يقودهم الروح القدس الذي أرسله لهم السيد المسيح في اليوم الخمسين بعد قيامته وصعوده إلى السماء : ” أذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالأنجيل للخليقة كلها “، وهكذا بدأوا بنشر إنجيل الملكوت السماوي وقدموا الشهادة حتى يقبلها جميع الناس وينالوا خلاصه وهذا كان سببا في انتشار الأنجيل في جميع أنحاء العالم ، وهذه هي النتيجة الرائعة لظهور السيد المسيح بعد قيامته . من هنا يمكننا أن ندرك أن ظهوره بعد قيامته كان له معناه وقيمته الجوهرية في انتشار المسيحية بين الأمم وفي العالم كله.
2 – ظهور الرب يسوع للبشر بعد قيامته مكنهم من التأكد أنه هو الله المتجسد نفسه، مما عزز إيمانهم به.
خلال عمل السيد المسيح في الجسد، لم يتمكّن معظم أتباعه من التحقّق من هويّته والأشياء التي قالها. وعندما صعد على الصليب كان موقف أتباعه موقفا مهتزا؛ وعندما كان مصلوبا على الصليب لحين وضعه في القبر، كان موقف الناس تجاهه موقف خيبة أملٍ. خلال هذا الوقت، بدأ الناس بالفعل بالانتقال في قلوبهم من الشكّ في الأشياء التي قالها الرّبّ يسوع خلال وقته في الجسد إلى إنكارها. وعندما خرج من القبر وظهر للناس، فإن غالبيّة تلاميذه الذين رأوه بعيونهم أو سمعوا بخبر قيامته تحوّلوا بالتدريج من الإنكار إلى التشكّك. لم يتقبّلوا حقًّا حقيقة أن المعلم الذي كان بينهم هو الله في الجسد ” الله المنظور” ظهر لهم مرة ثانية وطلب من توما المتشكك أن يضع أصبعه في ثقب يده الذي صنعه المسمار على الصليب ويضع يده في جنبه ليرى مكان الحربة التي طعن بها، ومرة ثالثة ظهر لهم على بحيرة طبرية وكسر لهم الخبز وأكل سمكًا مشويًّا أمامهم. ليؤكد لهم أن جسده الروحي الذي هو عليه بعد القيامة هو جسد ابن الإنسان بلحمه وعظامه الذي عاش معهم لفترةٍ طويلة… لقد سمح ظهوره من جديد للتلاميذ بأن يروا تواضعه الذي كان عليه قبل أن يصلب وبقربه منهم وحنينه إليهم وتعلّقه بهم. هذا الوصال القصير جعلهم يشعرون كما لو أن دهرًا قد مرّ. لقد تقوت واستنارت قلوبهم الضائعة والمرتبكة والخائفة والقلقة وفاقدة الحس والمتشككة، ووجدت راحة لأنهم شعروا بوجود الرجاء فأن أبن الإنسان الواقف أمامهم والذي قام من الموت سوف يسندهم إلى الأبد وسوف يكون برجهم الحصين وملجأهم في جميع الأوقات وخلال تبشيرهم برسالته. من هذين المعنيين المنسوبين إلى ظهور السيد المسيح بعد قيامته، ندرك أنه أيقظ قلوب الناس من خلال الطريقة التي ظهر بها لهم، واختبار رعاية الله وحبه للبشر. هذه الرعاية والحب ليست مجرد حكاية من الأساطير – بل هي حقيقة. ومن هذا المنطلق يمكننا أن ندرك أيضًا أن الله يعتبرنا أقرباء له، لقد كان دائمًا مع الإنسان ولم يتركنا أبدًا، لأن الله خلق الإنسان من أجل أن يعيش في خيراته، ويطيعه ويعبده، وأن يصبح عقلاً واحدًا معه. لذلك سواء كان السيد المسيح في الجسد أو ظهوره في الروح بعد قيامته كان يهتم دائمًا بالبشرية، وكان مهتمًا بشكل خاص بتلاميذه الذين تبعوه. هذا لأن الإنسان لا يملك القدرة على التغلب على الخطيئة، دون إرشاد من الله أو تزويده بالحق. في تصورات البعض الخاطئة، يعتقدون أن الله قد تركهم بعد أن انتهى من عمل الفداء وأن الله لم يعد يهتم بهم أبدًا بعد ذلك. لكن الحقيقة ليست كما يتخيلونها. لقد أنجز السيد المسيح عمله لفداء البشرية، لكنه لم يترك الإنسان بعد ذلك. إنه لا يزال معه كما كان من قبل، يهتم به، ويزوده بكل احتياجاته ويوجهه، قلبه وعمله لم يتركا البشر وأن حياتهم في هذا العالم ليست وحدها فهو يرعاهم دائماً، ويمكنهم دائمًا الاعتماد عليه، فهو عائلة كلّ واحدٍ ممن يؤمنون به.
