
بقلم : عصام الدين احمد صالح
قصيدة “كم عذرتك”[1] للشاعرة هناء سليمان

كم ذكرتك
وانتظرتك
لست تدري
كم عذرتك
ربما تدري وتضحك
سائرا بالدرب وحدك
لاهيا عما أعاني
بائعا كل الأماني
يا أناني
بعته …
ضيعت عمري .. واشتريتك
وحدها الساعات تلقى
كل غيظي وانفجاري
وحدها الآهات ترضى
كل ضعفي وانكساري
من يقيني من سقوطي
في مهاوي الحزن صرعى
غير صوتك
كان يكفي دفء صمتك
فانتظرتك
كم عذرتك
إن تلاقينا وقد فات الأوان
أهلك القلب انتظارك
واحتياجي
واشتياقك
لن يواسيني اعتذارك
مهما أثبت حضورًا
لن أراك .. لن تراني
لم تقدر ..
أنني في عز همي
كم ذكرتك
وانتظرتك
كم عذرتك
مقدمة
تندرج تجربة الشاعرة المصرية هناء سليمان (والمتميزة بتعدد أجناسها الإبداعية بين الشعر والقصة والرواية والنقد) ضمن سياق شعري معاصر لا يكتفي بالبوح الوجداني العفوي، بل يسعى إلى تشكيل تلك المشاعر في بنيات فنية قادرة على ملامسة وعي المتلقي ومساءلته.
وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح في ديوانها الثالث “كم عذرتُك”، الذي يمكن وصفه (على حد تعبير الناقدة نهى عاصم[2]) بأنه “ديوان فراق” بامتياز، يتوزع على ستة أجزاء، يسبق كل جزء منها تصدير شعري يؤدي وظيفة الإطار الدلالي الموجّه للقراءة.
تأتي قصيدة “كم عذرتُك” (موضوع هذه الدراسة) في الجزء الثالث من الديوان، وهو الجزء الذي صدرته الشاعرة بأبيات تشي بحالة من الغيرة والترقب والانفجار العاطفي:
“يا سيدي إني أغار .. قلبي وعيني في انتظار ..
إن مال طرفك نحوها .. فلتستعد للانفجار”
ولا يبدو هذا الموقع داخل البناء الديواني اعتباطيًا؛ إذ يضع القصيدة في قلب مسار تحولي يمتد من لحظة الجرح (في التصدير الأول: “يا من غرست النصل بالأمس في ظهري”) إلى لحظة الانكسار والوعي (في التصديرات اللاحقة، وصولًا إلى خاتمة الديوان: “تذكرني بوعد كان مني .. وتنسى أنه ما عدت أنت”).
تنطلق هذه الدراسة[3] من إشكالية مركزية مفادها: كيف تتحول الذات الأنثوية في قصيدة “كم عذرتُك”
من سيكولوجية التبرير(بوصفها آلية دفاعية قائمة على التكرار والانتظار وتبرئة الآخر)
إلى سوسيولوجية القطيعة، بوصفها موقفًا وجوديًا من الآخر ومن النمط الثقافي الذي شرعن التضحية الأنثوية؟ وما الآليات اللغوية والإيقاعية التي وظّفتها الشاعرة لتجسيد هذا التحول فنيًا ووجدانيًا؟
ولمقاربة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة مقاربة سوسيولوجية-سيكولوجية، وذلك لسببين منهجيين:
أولًا، لأن النص يقوم على صوت اعترافي يعكس بنية نفسية مأزومة تتأرجح بين التعلق والوعي، وبين الخضوع والتمرّد.
وثانيًا، لأنه يعكس في الوقت ذاته نمطًا اجتماعيًا متكررًا في علاقة المرأة بالرجل، يتجاوز البعد الفردي إلى الجمعي، كما أشارت إلى ذلك الناقدة فاطمة عبدالله[4] في ندوة نادي أدب التذوق، حين أكدت قدرة الشاعرة على جعل القارئ “يتعاطف مع مشاعر وأحاسيس الشاعرة (الراوية) بداخل النص”، وهو تعاطف يتولد من تمثيل خبرة أنثوية شائعة.
ولا تقتصر الدراسة على هذا البعد السوسيونفسي، بل تنفتح أيضًا على مقاربة أسلوبية، تركز على البنية الإيقاعية في إطار شعر التفعيلة، والبنية اللغوية (خاصة استخدام الأفعال المضارعة وتكرار الضمائر) وذلك انسجامًا مع ما أشار إليه كل من الأستاذة فاطمة عبدالله والدكتور بهاء حسب الله[5] من طغيان الحس الموسيقي وبراعة توظيف الفعل المضارع في نصوص الديوان، مع محاولة تفسير هذه الظواهر في ضوء البعدين السيكولوجي والسوسيولوجي.
وتنقسم الدراسة، بعد هذه المقدمة، إلى أربعة مباحث رئيسية، على أن تختتم بخلاصة تؤكد أن القصيدة لا تمثل مجرد بوح عاطفي، بل بنية تحولية تنتقل بالذات من التبرير إلى القطيعة:
· المبحث الأول: عتبات النص
· المبحث الثاني: سيكولوجية التبرير
· المبحث الثالث: سوسيولوجية القطيعة
· المبحث الرابع: البنية اللغوية والإيقاعية
المبحث الأول: عتبات النص
تكتسب العتبات النصية في ديوان “كم عذرتُك” أهمية خاصة، إذ لا تؤدي وظيفة تقديمية فحسب، بل تسهم في بناء إطار دلالي موجّه يكشف منذ البداية عن مسار التحول من التبرير إلى القطيعة.
أولًا: عنوان الديوان – بين التكرار والتهمة
يحمل عنوان الديوان (وهو نفسه عنوان القصيدة) شحنة دلالية مكثفة تتوزع على مستويين:
المستوى الأول: الدلالة التكرارية
تفيد “كم” الخبرية الكثرة والتكرار، بحيث لا يشير العنوان إلى فعل عابر، بل إلى ممارسة ممتدة ومتراكمة.
وهو ما يحيل إلى سيكولوجية التبرير بوصفها آلية دفاعية تقوم على إعادة إنتاج العذر حفاظًا على العلاقة.
المستوى الثاني: الدلالة الاتهامية الضمنية
ينطوي العنوان في الوقت ذاته على اتهام غير مباشر؛ إذ إن تكرار العذر يفترض تكرار الخطأ.
ومن ثم يتشكل توتر دلالي بين كرم الذات وتقصير الآخر، وهو توتر يؤسس للحظة القطيعة لاحقًا.
وتدعم هذه القراءة ما ذهبت إليه الناقدة نهى عاصم[6]، حين أشارت إلى أن القصيدة تعبّر عن “آهات نساء العالم انتظرن وعذرن”، قبل أن تعلن: “لن يواسيني اعتذارك”، بما يؤكد الطابع الجمعي للتجربة.
ثانيًا: الغلاف – تماهي الأنثى مع الطبيعة
الغلاف الأمامي
تصفه نهى عاصم[7] بكونه صورة لامرأة تتداخل مع عناصر الطبيعة: سعف نخيل، أوراق، زهور، فراشات. ويمكن قراءة هذا التشكيل ضمن ثنائية:
· العطاء والجمال: حيث تمثل الطبيعة رمزًا للعطاء والنماء.
· الهشاشة والذوبان: حيث تتلاشى حدود الذات داخل هذا التماهي.
وهذه الثنائية تعكس وضع الذات في القصيدة: معطاءة لكنها مهددة بالتلاشي.
الغلاف الخلفي
يقدم مقطعًا شعريًا يقول: “فوحدي أعود… ولم يبق إلا أنا والطريق”
وهو نص يعلن بوضوح لحظة القطيعة واستعادة الذات.
وهكذا، يتكامل الغلافان في رسم مسار بصري يبدأ بالاندماج وينتهي بالانفصال، في موازاة المسار الشعوري للنص.
ثالثًا: التصديرات الداخلية – بناء المسار التحولي
تشكل التصديرات الستة سردًا مصغرًا لمسار الديوان:
الأول: الجرح والخيانة
الثاني: محاولة استعادة التوازن
الثالث: الغيرة والانفجار (موضع القصيدة)
الرابع: الانكفاء على الذات
الخامس: الوعي بالأذى
السادس: الاستعداد للقطيعة
وتتوج هذه الحركة بخاتمة تعلن القطيعة بشكل صريح.
رابعًا: دلالة موقع القصيدة
يمنح موقع القصيدة داخل هذا البناء دلالتين أساسيتين:
· أنها تمثل لحظة التحول بين التبرير والوعي
· وأنها تُقرأ ضمن سياق ديواني يضفي عليها عمقًا يتجاوز البوح الفردي
فهي ليست بداية المسار ولا نهايته، بل لحظة إدراك التراكم، حيث يبلغ التبرير ذروته قبل أن ينقلب إلى قطيعة.
خلاصة مبحث العتبات
يمكن القول إن العتبات النصية في الديوان (من العنوان إلى الغلاف والتصديرات) لا تعمل بوصفها عناصر موازية فحسب، بل تشكّل بنية دلالية متكاملة ترسم مسار التحول من التبرير إلى القطيعة.
فالعنوان يؤسس للتكرار والتوتر، والغلاف يجسده بصريًا، بينما تبني التصديرات سردًا تدريجيًا لهذا التحول، لتأتي قصيدة “كم عذرتُك” في قلب لحظة الانفجار التي تمهد للوعي والانفصال.
المبحث الثاني: سيكولوجية التبرير – تحليل البنية النفسية للذات في مطلع القصيدة
إذا كانت عتبات النص قد رسمت الإطار الدلالي العام الذي يوجّه القراءة نحو مسار تحولي يمتد من الخضوع إلى الوعي، فإن المتن الشعري ذاته يمثل الحيّز الذي يتجلى فيه هذا التحول في صورته الحية والمباشرة.
وفي قصيدة “كم عذرتُك” يمكن تمييز مرحلتين نفسيتين متداخلتين:
مرحلة التبرير (موضوع هذا المبحث)،
ومرحلة القطيعة (موضوع المبحث التالي).
وينطلق هذا التحليل من مقاربة سيكولوجية تستند إلى مفاهيم مثل: التكرار القهري، وآليات الدفاع النفسي (وخاصة التبرير والإزاحة)، والتناقض الوجداني، ولحظة الاستبصار، وذلك عبر ثلاثة محاور أساسية: معجم التكرار، صورة الآخر، والبنية الانفعالية للتحول.
أولاً: معجم التبرير والتكرار – بنية الفعل القهري
تفتتح القصيدة بثلاثية فعلية مكثفة:
كم ذكرتك
وانتظرتك
لست تدري
كم عذرتك
لا تُقرأ هذه الأفعال بوصفها أفعالًا زمنية فحسب، بل بوصفها بنية نفسية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها:
الذكر: ليس استدعاءً إراديًا، بل فعل قهري يعكس عجز الذات عن الانفصال الذهني عن الآخر.
إنه استرجاع مؤلم لا يملك صاحبه إيقافه.
الانتظار:
انتقال من الذهني إلى السلوكي؛ حيث تُعلّق الذات وجودها على احتمالية حضور الآخر، فيتحول الزمن إلى حالة تعليق وجودي.
العذر:
الذروة النفسية لهذه الثلاثية، إذ يتحول إلى آلية دفاعية تُستخدم لتبرير استمرار العلاقة رغم اختلالها.
وتتضاعف مأساوية هذه البنية مع عبارة: “لست تدري”، التي تكشف أن كل هذه الأفعال تتم في حيّز غير مرئي بالنسبة للآخر.
نحن إزاء علاقة أحادية البنية: عطاء من طرف، ولا إدراك من الطرف الآخر، وهو ما يمنح التبرير طابعًا مأساويًا مضاعفًا.
وفي هذا السياق، تكتسب ملاحظة الناقدة فاطمة عبدالله[8] حول “بناء المتناقضات” دلالة خاصة؛ إذ يتجلى التناقض هنا في أن الوفرة الشعورية (الذكر/الانتظار/العذر) تقابلها لا مبالاة أو حتى سخرية: “ربما تدري وتضحك”،
وهو ما يؤسس لتوتر نفسي سيبلغ ذروته لاحقًا.
ثانياً: صورة الآخر – من الغياب إلى الاتهام
تتدرج صورة الآخر في القصيدة من الغياب إلى التشخيص، عبر سلسلة توصيفات متراكمة:
سائراً بالدرب وحدك
لاهياً عما أعاني
بائعًا كل الأماني
يا أناني
هذا التدرج ليس عشوائيًا، بل يعكس انتقال الذات من الملاحظة إلى الحكم:
· “سائراً وحدك”: إعلان انفصال وجودي.
· “لاهيا”: دلالة على لا مبالاة أخلاقية وعاطفية.
· “بائعًا الأماني”: انتقال إلى مستوى الاتهام؛ حيث يتحول الآخر إلى فاعل واعٍ يستثمر في الوهم.
· “يا أناني”: لحظة تسمية صريحة، تمثل أول مواجهة لغوية مباشرة.
هنا تنتقل الذات من حالة التبرير الصامت إلى بداية تفكيك صورة الآخر، وهو انتقال يمهّد للقطيعة دون أن ينجزها بعد.
وتكتسب هذه الصورة بعدها الأوسع في ضوء ما أشارت إليه نهى عاصم[9]، من أن القصيدة تعبّر عن “آهات نساء العالم”، بما يحول هذا الآخر من فرد إلى نموذج علائقي متكرر.
ثالثاً: لحظة الاستبصار – وعي الخسارة
تمثل العبارة: بعته … ضيعت عمري .. واشتريتك
نقطة انعطاف مركزية في القصيدة.
هذه الجملة لا تقدم مجرد اعتراف، بل تكشف عن انقلاب في وعي الذات بذاتها:
“بعته”: اعتراف ضمني بالتخلي عن شيء جوهري (الكرامة/الزمن/الذات).
“ضيعت عمري”: إدراك فجائي لحجم الخسارة.
“واشتريتك”: مفارقة مأساوية، حيث يُختزل الآخر إلى “صفقة خاسرة”.
ويعزز هذا التحول ما أشار إليه الدكتور بهاء حسب الله[10] بشأن توظيف الأفعال؛ إذ نلاحظ هنا الانتقال من الحاضر الممتد (في التكرار) إلى الماضي المكتمل، وهو انتقال يعكس تحولًا من الانخراط في التجربة إلى تأملها والحكم عليها.
أما على المستوى الإيقاعي، فإن التقطّع في العبارة يعكس تعثّر الوعي لحظة انكشاف الحقيقة، وهو ما ينسجم مع طبيعة شعر التفعيلة بوصفه إيقاعًا نفسيًا أكثر منه انتظامًا وزنيًا.
رابعاً: التناقض الوجداني – انفجار بلا مواجهة
بعد لحظة الاستبصار، لا تنتقل الذات إلى القطيعة مباشرة، بل تدخل في حالة من الازدواج الانفعالي:
وحدها الساعات تلقى
كل غيظي وانفجاري
وحدها الآهات ترضى
كل ضعفي وانكساري
نحن أمام بنية مزدوجة:
· غضب بلا موضوع: موجّه إلى الزمن لا إلى الآخر.
· ضعف بلا مقاومة: يُفرغ عبر التأوّه لا الفعل.
وهذا يكشف عن عجز مركّب:
عجز عن المواجهة، وعجز عن التحرر.
ومن هنا تنبع صدقية النص؛ إذ لا يقدم تحوّلًا دراميًا حادًا، بل يصور مرحلة التمزق الداخلي التي تسبق القرار.
خامساً: مفارقة “دفء الصمت” – ذروة التبرير
تبلغ سيكولوجية التبرير ذروتها في قولها:
غير صوتك
كان يكفي دفء صمتك
فانتظرتك
كم عذرتك
هذه العبارة تكشف عن أخطر مستويات التبرير: إعادة تعريف الحد الأدنى للعاطفة.
فالذات لا تطلب حضورًا فعّالًا، بل تكتفي بـ”دفء الصمت”، أي:
· قبول الغياب بوصفه حضورًا
· وقبول البرود بشرط أن لا يكون قاسيًا
وهنا يتجلى الانخفاض الحاد في سقف التوقعات، وهو ما يفسر استمرار العلاقة رغم اختلالها.
خلاصة مبحث سيكولوجية التبرير
يكشف التحليل السيكولوجي لمطلع القصيدة عن بنية نفسية تقوم على التكرار القهري والتبرير الدفاعي، في ظل علاقة غير متكافئة يتم فيها إزاحة الغضب وتأجيل المواجهة.
كما تتشكل صورة الآخر بوصفه نموذجًا أنانيًا متكررًا، لا مجرد فرد بعينه.
وتشكّل لحظة “ضيعت عمري واشتريتك” نقطة الوعي الأولى، لكنها لا تُفضي مباشرة إلى القطيعة، بل تفتح مرحلة انتقالية يهيمن عليها التناقض بين الغضب والانكسار، والتعلق والرفض.
وفي هذا الإطار، تبرز عبارة “دفء صمتك” بوصفها التعبير الأقصى عن سيكولوجية التبرير، حيث تقبل الذات بأدنى درجات الحضور، وهو ما يجعل لحظة القطيعة القادمة أكثر حدة وضرورة.
المبحث الثالث: سوسيولوجية القطيعة – تحليل لحظة الرفض والتحول إلى الأفق الجمعي
إذا كان المبحث السابق قد توقف عند لحظة الاستبصار الأولى، حيث بدأت الذات تدرك فداحة ما قدمته داخل علاقة غير متكافئة،
فإن النصف الثاني من القصيدة يشهد انتقالًا نوعيًا أكثر حسمًا: من سيكولوجية التبرير بوصفها آلية دفاعية داخلية، إلى سوسيولوجية القطيعة بوصفها موقفًا واعيًا يتجاوز الفردي إلى النموذجي.
ولا يتم هذا الانتقال دفعة واحدة، بل يتشكل عبر أربعة مسارات متداخلة: صياغة الرفض، إعادة تعريف الزمن، اتساع أفق الخطاب، ثم تفكيك العلاقة عبر محو الآخر.
أولاً: صياغة الرفض النهائي – من التردد إلى الحسم
يتجلى التحول الحاسم في المقطع:
إن تلاقينا وقد فات الأوان
أهلك القلب انتظارك
واحتياجي
واشتياقك
لن يواسيني اعتذارك
مهما أثبت حضورًا
لن أراك .. لن تراني
يمثل هذا المقطع ذروة التحول من التبرير إلى القطيعة، ويكشف عن بنية رفض مركبة:
“إن تلاقينا”: صيغة شرطية تفتح الاحتمال، لكنها لا تلبث أن تُغلقه بعبارة “وقد فات الأوان”، فيتحول الاحتمال إلى افتراض غير ذي جدوى.
“لن يواسيني اعتذارك”: ليس رفضًا للاعتذار ذاته، بل لنفعه؛ أي أن الاعتذار (إن حدث) قد فقد قيمته التداولية.
“مهما أثبت حضورًا”: نفي مسبق لأي محاولة تعويض مستقبلية، وهو ما يعكس وعيًا بانهيار إمكانية الإصلاح.
“لن أراك .. لن تراني”: نفي مزدوج يقطع الاتصال من الطرفين، فلا يكتفي بإغلاق الذات، بل يمحو العلاقة ذاتها.
بهذا المعنى، لا تعلن الذات قطيعة مع شخص، بل مع نمط علائقي كامل، وهو ما يمنح هذا الرفض بعدًا سوسيولوجيًا يتجاوز التجربة الفردية.
ثانياً: البعد الزمني – من الزمن المفتوح إلى الزمن المنتهي
تؤسس القصيدة شرعية القطيعة عبر إعادة تعريف الزمن من مستويين:
1. الزمن الموضوعي: “فات الأوان”
يمثل “الأوان” لحظة مناسبة للفعل، وعندما “يفوت”، فإن الإمكانية نفسها تُلغى.
هنا تتحول العلاقة إلى حدث له صلاحية زمنية انتهت، وهو تصور يغاير الخطاب العاطفي التقليدي الذي يفترض قابلية الاستمرار اللامحدود.
2. الزمن الذاتي: “أهلك القلب انتظارك”
لا يتعلق الأمر بمرور الوقت، بل بكيفية عيشه:
· الآخر عاش الزمن في حالة “لهو”
· الذات عاشته كاستنزاف
وهذا التفاوت في تجربة الزمن يكشف عن لا عدالة علائقية، حيث يتحمل طرف كلفة الزمن وحده.
ومن ثم، تصبح القطيعة هنا ليست فقط رد فعل عاطفي، بل قرارًا مرتبطًا بإدارة مورد نادر: الزمن.
ثالثاً: من الخاص إلى العام – تشكّل الصوت الجمعي
تنجح القصيدة في تجاوز حدود البوح الفردي لتتحول إلى بنية تمثيلية، عبر ثلاث آليات رئيسية:
1. تعميم صورة الآخر
الآخر لا يُعرَّف بهوية فردية، بل بصفات قابلة للتكرار (أناني، لاهٍ، بائع للأماني)، مما يحوّله إلى نموذج اجتماعي.
2. توسيع ضمير “الأنا”
رغم حضور “الأنا” نحويًا، فإنها تؤدي وظيفة تمثيلية، بحيث تصبح حاملة لخبرة جمع…
