
عمّت الاحتفالات شوارع العاصمة الصربية بلجراد، مساء الأحد، عقب إعلان الرئيس ألكسندر فوتشيتش خسارة حزبه في الانتخابات التشريعية المبكرة، بعد نحو 14 عامًا من السيطرة على المشهد السياسي في البلاد، وسط ضغوط متصاعدة قادتها حركة طلابية واسعة طالبت بالتغيير.
وقال فوتشيتش، أمام أنصاره في مقر حزبه ببلجراد، إن النتائج الأولية تشير إلى خسارة الانتخابات، مضيفًا: «استنادًا إلى عينة إحصائية تمثل مختلف فئات الناخبين، من الواضح أننا خسرنا هذه الانتخابات».
في المقابل، أعلن إيليا سردانوفيتش، ممثل القائمة المدعومة من الطلاب، أمام حشد من المؤيدين: «لن يحكم طاغية هذا البلد بعد اليوم».
وشهدت العاصمة أجواء احتفالية، حيث أطلق المواطنون أبواق السيارات وتبادلوا العناق، فيما ظهرت مشاهد لمؤيدين يرقصون ويغنون احتفالًا بالنتيجة. وقالت الطالبة سوزانا ميلا مارتيتش، لوكالة فرانس برس، إنها تشعر بسعادة لا توصف، مضيفة: «أشعر بأنني أعيش أخيرًا في بلد حر».
وفي الوقت نفسه، انتشرت شرطة مكافحة الشغب حول مقر اللجنة الانتخابية ومبنى الرئاسة، كما طوقت تجمعًا لأنصار الحكومة في إحدى الحدائق، وسط دعوات من الحركة الطلابية إلى تجنب المناطق التي تشهد انتشارًا أمنيًا مكثفًا.
إقبال انتخابي مرتفع ومخالفات قيد الرصد
سجلت الانتخابات التشريعية إقبالًا كثيفًا، إذ أعلن مدير المكتب الوطني للإحصاء، برانكو يوسيبوفيتش، أن نسبة المشاركة بلغت 64.89% حتى الساعة السادسة مساءً بالتوقيت المحلي، قبل ساعتين من إغلاق مراكز الاقتراع.
من جانبه، قال راسا نيديليكوف، المسؤول في منظمة «سي آر تي إيه» المعنية بمراقبة الانتخابات، إن مراقبي المنظمة رصدوا عددًا كبيرًا من المخالفات والحوادث، دون تأكيد وقوع أعمال عنف كبيرة مرتبطة بالعملية الانتخابية.
وكان فوتشيتش قد أكد، خلال الإدلاء بصوته في بلجراد، أنه يتوقع مشاركة مرتفعة، مشددًا على أن حزبه سيقبل النتيجة في حال خسارته.
في المقابل، اعتبر لاعب كرة السلة السابق والمرشح المعارض ديان بوديروغا أن ارتفاع نسبة المشاركة يعكس رغبة في استعادة البلاد من قبضة القوى السياسية التي يتهمها معارضوها بالسيطرة على مؤسسات الدولة.
احتجاجات الطلاب تمهد للتغيير
جاءت الانتخابات المبكرة بعد نحو عامين من الاحتجاجات التي قادها الطلاب، عقب انهيار مظلة خرسانية في محطة قطارات بمدينة نوفي ساد عام 2024، في حادث أسفر عن مقتل 16 شخصًا وأثار اتهامات بالفساد والإهمال.
وأشعلت الكارثة موجة من الاحتجاجات التي عُدت من بين الأكبر في صربيا منذ سقوط نظام سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000.
وتمثل القائمة الانتخابية المدعومة من الطلاب أبرز تحدٍ يواجه الحزب التقدمي الصربي، الذي هيمن على الحياة السياسية لسنوات. وتضم القائمة مرشحين من مجالات مختلفة، أبرزها الأكاديميا والفنون، ويملك كثير منهم خبرة سياسية محدودة.
وركزت الحركة في برنامجها على مكافحة الفساد، وبدأت مطالبها بالدعوة إلى تحقيق شفاف في كارثة نوفي ساد، قبل أن تتوسع إلى المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة.
وخلال العامين الماضيين، نظم الطلاب مسيرات في مختلف أنحاء البلاد، بهدف التواصل المباشر مع الناخبين ومواجهة نفوذ الحزب الحاكم في وسائل الإعلام. وشهدت العاصمة بلجراد، الخميس الماضي، تجمعًا انتخابيًا حاشدًا شارك فيه نحو 150 ألف شخص، وفقًا لمرصد مستقل يتابع الاحتجاجات.
مستقبل فوتشيتش والحكومة المقبلة
خاض فوتشيتش حملة انتخابية مكثفة في مختلف أنحاء البلاد، وحرص على الظهور بين المواطنين في المدن والقرى، بينما اتهم الحركة الطلابية مرارًا بالتخطيط لانقلاب مدعوم من الخارج.
وفي آخر تجمع انتخابي لحزبه في بلجراد، دعا أنصاره إلى الدفاع عن الدولة، قائلًا: «دعونا لا ننسى كيف حاولوا إطاحة دولتنا، ولندافع عنها دائمًا».
وتحت ضغط الاحتجاجات، دعا فوتشيتش إلى انتخابات مبكرة، مستندًا إلى ما وصفه بوجود اضطراب كبير في المشهد السياسي الداخلي. كما تخلى عن ولايته الرئاسية الثانية قبل انتهاء مدتها، بهدف الترشح لمنصب رئيس الوزراء.
وتحاول صربيا، في الوقت نفسه، الحفاظ على توازن دبلوماسي بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، في ظل تحديات داخلية وضغوط متزايدة بشأن الإصلاحات السياسية ومكافحة الفساد.
وقبيل التصويت، حذرت منظمات مجتمع مدني من عدم توافر الظروف اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بينما تابع مراقبون محليون ودوليون العملية الانتخابية، ودفعت الحركة الطلابية بأعداد كبيرة من المتطوعين لمراقبة التصويت.
وتفتح النتائج المعلنة الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في صربيا، وسط ترقب لما ستسفر عنه الإجراءات الرسمية لإعلان النتائج النهائية وتحديد شكل الحكومة المقبلة.








