
بقلم: بهجت العبيدي
ليست قيمة المفكر الحقيقي فيما يكتبه من أفكار فحسب، وإنما فيما تستطيع هذه الأفكار أن تصنعه في حياة الإنسان، وفي المسافة التي يمكن أن تقطعها بين المختلفين، وفي الجسور التي تقيمها حيث أقام التاريخ جدرانًا من الخوف والذاكرة والدم.
ومن هذا المنظور أرى أن المشروع الفكري للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي يتجاوز حدود الكتابة الفكرية التقليدية؛ لأنه لا ينظر إلى السلام باعتباره شعارا أخلاقيا جميلا، ولا إلى الحوار بين الأديان باعتباره مناسبة بروتوكولية لتبادل الكلمات الطيبة، وإنما يراهما مشروعًا إنسانيا يقوم على تحرير الإنسان من الخوف والكراهية والتعصب، وإعادة الاعتبار إلى العقل والضمير وحرية الاعتقاد.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لما يقدمه الشرفاء الحمادي.
فهو لا يبدأ من سؤال: كيف نجعل الناس متشابهين؟ وإنما من سؤال أكثر عمقًا: كيف يستطيع المختلفون أن يعيشوا معًا وهم يحتفظون بحقهم الكامل في الاختلاف؟
وهذا هو جوهر المسألة.
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتخلى الإنسان عن عقيدته حتى يحترم عقيدة غيره، ولا يحتاج المسيحي إلى أن يصبح مسلما كي يحب المسلم، ولا المسلم إلى أن يتنازل عن إيمانه كي يحترم المسيحي. إنما يحتاج الطرفان إلى إدراك حقيقة بسيطة كثيرًا ما ضاعت وسط ضجيج التاريخ: أن الإيمان اختيار، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون حرا في اعتقاده إذا لم يكن حرا في احترام اعتقاد غيره.
ومن هنا تحتل حرية الاعتقاد موقعًا مركزيًا في مشروع الشرفاء الحمادي.
إن قراءته للقرآن تنطلق من أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الإيمان بالإكراه، ولم يمنح إنسانًا سلطة الوصاية على ضمائر الناس. فالرسول نفسه، في الخطاب القرآني الذي يستند إليه الشرفاء، مأمور بالبلاغ وليس بالإكراه، والإنسان مسؤول عن اختياره أمام الله.
ومن ثم فإن قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ليس عنده مجرد آية تستشهد بها الخطب، وإنما قاعدة حضارية ينبغي أن تنعكس على علاقة الإنسان بالإنسان.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، تؤسس في رؤيته لمبدأ واضح: أن الإيمان الذي ينتزع بالقوة ليس إيمانا، وأن العقيدة التي تحتاج إلى سوط كي تحمي نفسها قد تحولت من علاقة بين الإنسان وربه إلى أداة للهيمنة على الإنسان.
وهنا يصبح احترام حرية الاعتقاد ضرورة أخلاقية، لا مجرد تسامح مؤقت مع المختلف.
ومن هذه القاعدة ينفتح المشروع على علاقة المسلمين بالمسيحيين بصورة خاصة.
فالشرفاء الحمادي لا يقدم المسيحية بوصفها عقيدة غريبة ينبغي أن ينظر إليها المسلم بعين الخصومة، ولا يقدم الإسلام بوصفه دينًا قائمًا على إلغاء الآخر. بل يعود إلى المرجعية القرآنية ليؤكد أن المسيح عليه السلام يحتل مكانة رفيعة في الخطاب القرآني، وأن الإيمان بالرسل والرسالات جزء من البناء العقدي الذي يقدمه القرآن.
ولهذا لم يكن صدور كتابه “الإسلام يشهد بصحة العقيدة المسيحية” تفصيلًا عابرًا في مشروعه الفكري، وإنما يمثل، في تقديري، واحدة من أكثر محاولاته جرأة في نقل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين من منطقة الدفاع والردود المتبادلة إلى منطقة الاعتراف والبحث عن المشتركات.
وقد تناولت دراسات منشورة حول مشروعه هذا الكتاب بوصفه إسهاما في الحوار الإسلامي ـ المسيحي، وربطت بينه وبين رؤيته لحرية الاعتقاد والتعايش والقيم الإنسانية المشتركة.
والأهم أن الشرفاء الحمادي لا يريد من المسلم أن يحترم المسيحي مجاملةً، ولا يريد من المسيحي أن يحترم المسلم خوفًا من الصراع؛ وإنما يريد أن يؤسس الاحترام على قاعدة أعمق: أن اختلاف العقائد لا يلغي وحدة الأصل الإنساني.
فالناس، قبل أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين أو أتباعًا لأي عقيدة أخرى، بشر.
وهذه الحقيقة البسيطة هي التي تستطيع أن تعيد بناء ما هدمته الصراعات الطويلة.
إنني أرى أن هذه الفكرة تمثل أحد أكثر جوانب مشروع الشرفاء الحمادي أهمية؛ لأنها تنقل الحديث عن التعايش من مفهوم “تحمل الآخر” إلى مفهوم أكثر إنسانية هو احترام الآخر.
هناك فرق كبير بين أن أقول: “سأتحملك لأنك مختلف عني”، وبين أن أقول: “أحترم حقك في أن تكون مختلفًا عني”.
الأولى قد تكون هدنة.
أما الثانية فهي أساس المواطنة الإنسانية.
ومن هنا نفهم أيضًا اهتمامه بأن يتحول الفكر إلى ممارسة. فمؤسسة رسالة السلام العالمية لم تُطرح باعتبارها منصة لإنتاج الخطاب فقط، بل باعتبارها إطارا لترجمة هذه الرؤية إلى لقاءات وتواصل مع المؤسسات الدينية والثقافية في العالم، ولا سيما المؤسسات المسيحية في أوروبا. وقد وثقت دراسات منشورة لقاءات مع مؤسسات وقيادات مسيحية أوروبية، وقدمت المشروع بوصفه محاولة لبناء جسور تقوم على السلام والعدل والرحمة وكرامة الإنسان.
لكن القيمة الأعمق تظهر عندما نغادر فضاء الكلمات إلى المناطق التي ما زالت الذاكرة فيها مثقلة بالجراح.
ومن هنا تكتسب البوسنة والهرسك دلالة خاصة.
فالبوسنة ليست مجرد جغرافيا أوروبية؛ إنها واحدة من أكثر الأماكن التي تكشف لنا إلى أي مدى يمكن أن يتحول الاختلاف الديني والقومي، حين تتداخل معه السياسة والذاكرة التاريخية، إلى مأساة إنسانية.
وفي مجتمع عانى من الحرب والانقسام، يصبح الحديث عن المصالحة بين المسلمين والمسيحيين، ولا سيما بين البوشناق المسلمين والصرب المسيحيين، أكثر من مجرد حوار ديني؛ يصبح محاولة لاستعادة الإنسان من تحت أنقاض الذاكرة.
ومن هنا تأتي أهمية دعوة الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي وتبنيه لفكرة مصالحة تاريخية بين المسلمين والمسيحيين في البوسنة والهرسك، مع الصرب على وجه الخصوص.
إنها مبادرة تحمل دلالة تتجاوز مكانها الجغرافي؛ لأنها تقول إن السلام الحقيقي لا يُبنى فقط بين الذين لم يختلفوا يومًا، وإنما يُختبر في القدرة على مد اليد إلى الطرف الذي تفصلنا عنه ذاكرة مؤلمة.
وهذه هي النقطة التي تجعلني أرى في هذه المبادرة امتدادا طبيعيا لمشروع الشرفاء الحمادي، وليست خروجًا عليه.
فمن يؤمن بحرية الاعتقاد، ويؤمن بوحدة الأصل الإنساني، ويرفض توظيف الدين في صناعة الكراهية، ويؤمن بأن الإسلام رسالة رحمة وسلام، لا يستطيع أن يكتفي بالحديث عن هذه المبادئ في الكتب والمحاضرات. لا بد أن يبحث عن أكثر الأماكن احتياجًا إليها.
والبوسنة واحدة من تلك الأماكن.
إن المصالحة التي يدعو إليها الشرفاء الحمادي لا تعني محو التاريخ أو إنكار الضحايا أو مطالبة أحد بنسيان آلامه. فالمصالحة الحقيقية ليست نسيانا للجرح، وإنما تحرير للمستقبل من أن يصبح الجرح قدرًا دائمًا للأجيال القادمة.
وهنا تظهر شجاعة الفكرة.
أن نعترف بالماضي، دون أن نجعل أبناء الحاضر أسرى له.
أن نحفظ ذاكرة الضحايا، دون أن نحول أبناء الشعوب إلى متهمين بالوراثة.
أن نختلف في العقيدة، دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة.
وأن نؤمن بأن المصافحة بين إنسانين لا تعني بالضرورة اتفاقهما في كل شيء، وإنما تعني اتفاقهما على ألا يكون الاختلاف سببا لإلغاء إنسانية أحدهما.
وهذه في تقديري هي الرسالة الأعمق التي يمكن أن يقدمها المشروع التنويري للشرفاء الحمادي إلى العالم.
إنه لا يريد أن يصنع عالمًا بلا اختلاف، فذلك وهم. ولا يريد أن يلغي الخصوصيات الدينية والثقافية للشعوب، فذلك استبداد من نوع آخر. وإنما يريد عالمًا يستطيع فيه الاختلاف أن يعيش داخل منظومة من الاحترام والعدل والسلام.
وهذا ما يجعل دعوته إلى التقارب بين المسلمين والمسيحيين ذات قيمة تتجاوز الحوار التقليدي بين الأديان.
فالحوار، في جوهره، ليس أن أجلس أمامك لأشرح لك لماذا أنا على حق وأنت على خطأ، وإنما أن أجلس أمامك لأفهمك، وأن تفهمني، ثم نبحث معًا عن المساحة التي نستطيع أن نخدم فيها الإنسان دون أن يطلب أحد منا التخلي عن قناعته.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لفكرة التعايش.
فالتعايش ليس ذوبانا.
والتسامح ليس تنازلا عن العقيدة.
والحوار ليس هزيمة.
والاعتراف بالآخر ليس إنكارا للذات.
بل إن الإنسان لا يصبح قويًا في عقيدته عندما يخاف من المختلف، وإنما يصبح قويًا عندما يستطيع أن يحافظ على إيمانه وفي الوقت نفسه يحترم حرية غيره.
ومن هنا فإن المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي يقدم قيمة تتجاوز العالم العربي والإسلامي إلى الفضاء الإنساني الأوسع؛ لأنه يحاول أن يعيد تعريف العلاقة بين العقيدة والإنسان، وبين الدين والسلام، وبين الاختلاف والتعايش.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تخبر كل جماعة بأنها وحدها تملك الحقيقة، بقدر ما يحتاج إلى خطاب يعلّم الإنسان كيف يعيش مع من يختلف عنه دون أن يحوله إلى عدو.
ولذلك فإنني أرى أن المبادرة المتعلقة بالبوسنة والهرسك ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها نشاطًا عابرًا، بل باعتبارها اختبارا عمليا لمشروع فكري بدأ من سؤال حرية الإنسان في اختيار عقيدته، وانتهى إلى سؤال أكثر اتساعا: كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من أسر الكراهية التاريخية؟
وهنا تحديدا تتضح قيمة الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي كمفكر عربي لا يكتفي بتشخيص الأزمة، وإنما يحاول أن يقدم لها مسارًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
إن الفكر الذي لا يقترب من آلام الناس يظل حبيس الكتب، والسلام الذي لا يصل إلى مناطق الجراح يبقى شعارًا.
أما حين يتحول الفكر إلى جسور، والسلام إلى مبادرات، والقراءة الدينية إلى احترام لحرية الإنسان، فإننا نكون أمام مشروع تنويري يستحق أن يُقرأ لا باعتباره خطابًا دينيًا فحسب، وإنما باعتباره مشروعا إنسانيا لإعادة بناء العلاقة بين البشر.
وفي تقديري، فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن هذا المشروع هو أنه لا يسعى إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي، ولا المسيحي على المسلم، وإنما يسعى إلى أن ينتصر الإنسان على الكراهية.
وهذه، في النهاية، هي المعركة التي تستحق أن نخوضها.








