
الدكتور رائد ناجي
في عمق المشهد الاقتصادي الاميركي، حيث تتجلى قوة الارقام وسطوة المؤشرات، يبرز رقم صادم يعيد تشكيل الفهم التقليدي لما يسمى بـ”الحلم الاميركي”: 111 مليون اميركي غير قادرين على سداد ديونهم. ليس الامر مجرد خلل عابر في دورة اقتصادية، بل هو مؤشر على تحوّل بنيوي يضرب في عمق الفلسفة التي قام عليها النموذج الرأسمالي المعاصر، حيث يصبح الدين ليس اداة تمويل، بل اسلوب حياة مفروض.
هذا الرقم، حين يُفكك، لا يحيل فقط الى كتلة بشرية عاجزة ماليا، بل يكشف عن انتقال العجز من الهامش الى المركز. فالفئات التي كانت تصنف ضمن الطبقة الوسطى، المستقرة نسبيا، باتت اليوم جزءا من هذا العجز الصامت. لقد تآكلت الحدود بين الفقر والغنى، وبين الاستقرار والهشاشة، ليصبح الجميع معرضا للانزلاق في لحظة واحدة نحو دائرة العجز. وهنا، لا يمكن قراءة الظاهرة بمعزل عن سياقها الاشمل، حيث تلتقي سياسات الائتمان المفتوح مع تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الحياة، خاصة في مجالات التعليم والصحة والسكن.
لقد بُني الاقتصاد الاميركي الحديث على فكرة مركزية مفادها ان الاستهلاك هو محرك النمو. غير ان هذا الاستهلاك لم يكن مدعوما دائما بانتاج حقيقي، بل بتوسع ائتماني غير مسبوق. بطاقات الائتمان لم تعد مجرد وسيلة دفع، بل صارت امتدادا للدخل. قروض الطلبة، التي يفترض ان تكون استثمارا في المستقبل، تحولت الى عبء طويل الامد يلاحق الافراد لعقود. اما الرهون العقارية، فقد كانت في لحظة ما عنوان الاستقرار، قبل ان تتحول، في ازمات سابقة، الى شرارة انهيارات كبرى.
في هذا السياق، يصبح الدين بنية موازية للاقتصاد الحقيقي، بل ربما اكثر حضورا وتأثيرا. الفرد لا يعيش فقط بما يملك، بل بما يدين به. وهنا تتجلى مفارقة قاسية: كلما زادت حرية الوصول الى الائتمان، تقلصت الحرية الفعلية للفرد. انه اسير التزاماته، محكوم بجداول سداد لا ترحم، ومطارد بفوائد تتراكم بصمت.
لكن الازمة لا تقف عند حدود الاقتصاد. فالعجز عن السداد يحمل ابعادا نفسية واجتماعية عميقة. الفرد المدين يعيش حالة من القلق المستمر، يشعر بفقدان السيطرة على مستقبله، ويتراجع احساسه بالامان. ومع اتساع هذه الحالة لتشمل عشرات الملايين، يتحول القلق الفردي الى مزاج عام، قد ينعكس في اشكال متعددة من الاحتجاج الصامت، او الانسحاب الاجتماعي، او حتى التطرف السياسي.
ومن زاوية اخرى، يكشف هذا الرقم عن خلل في توزيع الثروة. ففي الوقت الذي تتكدس فيه الثروات لدى فئة محدودة، تتسع دائرة المديونية لدى الاغلبية. هذا التناقض لا يمكن فصله عن طبيعة النظام المالي، الذي يعيد انتاج الفوارق بدل تقليصها. الفوائد التي يدفعها المدينون تتحول الى ارباح للمؤسسات المالية، ما يعني ان الازمة، في جانب منها، تغذي ذاتها.
كما ان السياسات النقدية، التي اعتمدت على خفض الفائدة لفترات طويلة، ساهمت في تشجيع الاقتراض المفرط. ومع تغير الظروف وارتفاع معدلات الفائدة، وجد الملايين انفسهم امام التزامات تتضخم بوتيرة اسرع من قدرتهم على السداد. هنا، يتحول الدين من فرصة الى فخ، ومن وسيلة تمكين الى اداة استنزاف.
ولا يمكن اغفال البعد الثقافي في هذه الظاهرة. فثقافة الاستهلاك، التي تم الترويج لها لعقود، جعلت من الانفاق معيارا للنجاح، ومن الامتلاك مؤشرا على القيمة الاجتماعية. في ظل هذه الثقافة، يصبح الاقتراض سلوكا عاديا، بل مرغوبا، حتى وان كان على حساب الاستقرار المستقبلي. وهكذا، يتداخل الاقتصادي بالثقافي، ليشكلا معا بيئة خصبة لتضخم الديون.
ان 111 مليون اميركي العاجزين عن سداد ديونهم ليسوا مجرد ضحايا قرارات فردية خاطئة، بل هم نتاج منظومة كاملة، تتشابك فيها السياسات، والاسواق، والثقافة. ومن هنا، فان معالجة الازمة لا يمكن ان تكون تقنية فقط، عبر اعادة جدولة الديون او تخفيض الفوائد، بل تتطلب اعادة نظر جذرية في النموذج نفسه: كيف ننتج؟ كيف نستهلك؟ وكيف نوزع الثروة؟
في النهاية، يبدو ان الحلم الاميركي، في صيغته الحالية، يواجه اختبارا وجوديا. فاما ان يعاد تعريفه على اسس اكثر عدالة واستدامة، واما ان يستمر في التحول الى عبء ثقيل على كاهل الملايين. وبين هذين الخيارين، يقف 111 مليون انسان في منطقة رمادية، حيث الامل مؤجل، والاستقرار مؤجل، والحياة نفسها مؤجلة الى حين سداد دين قد لا ينتهي.
