
دكتورة شاهيناز أبو المؤانس
كلية الآداب جامعة الوادي الجديد
نشأء الفكر الإبداعي الأدبي عبرالحضارات التاريخية الطويلة حيث تحولات جذرية ارتبطت بتطور أدوات الكتابة، فمن الكتابة علي الجلد و الرق و الحجر إلى الورق، ومن آلة الطباعة إلى الحاسوب، كانت كل تقنية تترك أثرها على بنية النص ووعي المؤلف وبصمة الكاتب إذ أن لكل كاتب بصمة وراثية خاصة به فلم نعهد أسلوب كاتب يشبه الاخر ؛بدأ بابن العميد عبدالحميد الكاتب، مرورا بعمرو الجاحظ ،وابن خلدون ،ونجيب محفوظ ثم غسان كنفاني وأحمد خالد توفيق وشكري المبخوت وواسيني الاعرج ،وأيضا تختلف البصمة الوراثية الخاصة لكل شاعرعن صاحبهبموهبته حتي قيام الساعة فلم نعهد أسلوبا كامرئ القيس ،ولا النابغة ولا حسان بن ثابت ولا الفرزدق ولا أبو نواس
ولا ظافر الحداد في العصر الفاطمي ولا ابن هاني الأندلسي ولا بصمة شعر شوقي كحافظ ولا شعر ابن رجب ( د مصطفي رجب ) كأسلوبية ونمط الشاعر عزت الطبري فكل من هؤلاء تمتطيه بصمة وراثية جينية خاصة بأسلوب الكتابة أيا كان نوعها فتسوقه معبرا بفنه وأدبه بطريق تقتصر عليه؛ غير أن ما نشهده اليوم مع صعود النماذج اللغوية التوليدية الكبيرة Larg Language Models يمثل نموذج قطيع مختلفة في طبيعتها، بمساعدة- اللهو الخفي- ذاك (الكورتيزون )الداعم الذي لم يعد مجرد وسيط مادي للكتابة، وإنما أصبح فاعلاً أوحديا دلالياً يشارك في إنتاج الشكل والمضمون نفسه. وهنا يبرز مفهوم “الحاكمية” بوصفه الإشكال المركزي، فالحاكمية لا تعني فقط من يملك سلطة توليد القرار النهائي، وإنما تعني أيضاً من يمتلك القدرة على توجيه الاحتمالات، وتضييق دائرة الخيارات وذلك بترسيخ نماذج جمالية بعينها. وإذا كان النقد الحديث قد أعلن “موت المؤلف” على يد رولان بارت، تلك النظرية الملحدة فإننا اليوم نقف أمام “ولادة الشريك الخوارزمي” الذي يدخل إلى غرفة الكتابة ويجلس بجوار الكاتب، ويحاول بكل الطرق التغلب علي عقله ومساومته علي سرعة التغني والتهني ويهمس له بواقع افتراضي صلد. ولكن هل تمارس النماذج اللغوية حاكميتها على الفكر الإبداعي الأدبي؟ وما حدود هذه الحاكمية؟ وهل يمكن تحويلها من هيمنة إلى حوار؟ وهل للهيمنة الحاكمية عاطفة وشعور ؟ فقد استعار هذا المقال مصطلح “الحاكمية” من العلوم السياسية لأطبقه على الحقل الأدبي اللغوي؛ فالحاكمية هنا هي مجموع من الدلالات والآليات المختزلة التي يتم من خلالها توجيه العملية الإبداعية، سواء بشكل مباشر عبر توليد النص، أو بشكل غير مباشر عبر تشكيل الذائقة واللغة والبنية. وهي تختلف عن “التأثير” لأنها تتضمن عنصر السلطة والقدرة على فرض بدائل. عبر وسيلة النماذج اللغوية التوليدية -والتي هي في حد ذاتها – نظام تعليمي عميق تم تدريبها على تريليونات الكلمات من الإنترنت والكتب والمقالات، ومحورتها و التنبؤ بالكلمة التالية في السياق بلا وعي أو عاطفة أو صدق شعور وبذلك فهي لا “تبدع “”تفكر” ولا “تفهم” بمعني الأحساس الإنساني، وإنما تُخَط محض “إحصاء الاحتمالات”. وهذا هو جوهر الإشكال ؛ إذ أن الإبداع الإنساني يقوم على توليد المشاعر واستخراج الطاقة الإبداعية وكسر إحصاء الاحتمال، بينما تبني الآلة على تعظيمه فهو محور ادارتها . غير أن حاكمية البنية السردية البشرية تبني علي العقل الفكرة مذ ولادتها ثم الحبكة إلى القالب وفي نبض قلب الكاتب متصلة بشريان الحياة في العمل الادبي ،تشعر وكانه أوشك علي النطق ومغازلة القارئ حتي أصبح بمقدور الكاتب اليوم أن يطلب من الذكاء الاصطناعي “رواية اجتماعية في القاهرة سنة 2050 بطلها دكتور جامعي خارج عن الإطار الأكاديمي و متمرد”، فيحصل في ثوانٍ على هيكل كامل من 12 فصلاً مع شخصيات وصراعات. المشكلة أن هذا الهيكل ليس محايداً، فهو نتاج تحليل إحصائي لآلاف الروايات الالاجتماعية القائمة علي كسر القيود وتحطيم قواعد الروتين والخروج عن الظلم . وبذلك تعيد الآلة الاصطناعية إنتاج “قانون النوع” Genre Law بدلاً من كسره. وقد أشار فرانكو موريتي إلى أن الأدب الحديث يسير نحو “القراءة البعيدة” Distant Reading التي ترصد القوانين العامة، ونعلم أن الذكاء الاصطناعي هو التجسيد الأقصى لهذا القانون. وأما في الشعر، عندما يطلب الشاعر صورة عن “الأرض “، تقدم له الآلة: “الأرض المغتصبة ، الأرض المنفىة ، الأرض البور “. “@فيلم الأرض ” هذه صور صحيحة وموجودة ، ولكنها الأكثر تكراراً في البيانات. وهنا يختفي الابداع ووتقل ثقافة “الانزياح” الذي عرفه النقاد العرب بوصفه جوهر البلاغة. فالشعر عند العرب لم يكن قوة في قول المألوف بأحسن صياغة، وإنما في قول غير المألوف بطريقة تجعلنا نراه لأول مرة حتي لو كان المعني معتادا أو كما قيل أحسن الشعر أكذبه ك،ولكن الخوارزميات تستقي من الواقع الفظ ولا تشتم رائحة الحكم الجمالي با هي ترتبط بتقنيات كثرة الاعجاب ( اللايك ) وبتكرار ما تم مشاركته وبذلك تتحول الحاكمية إلى سوق الرقمي. ويصف (نيك كولدري)و (وأوليسيس ميخياس) هذا بـ”استعمار البيانات للحياة الإنسانية”، حيث تصبح قيمة النص مرتبطة بقدرته على إرضاء الخوارزمية قبل إرضاء الضمير الإبداعي. ويري الدكتور سعيد الوكيل أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحا شريكاً في عملية الإبداع، إلا أن “الإنسان سوف يظل له الحضور الحاسم في الإبداع الأدبيي “وبمقارنتنا بين ذاكرة المبدع البشري والمبدع الاصطناعي نري عندما يطلب الكاتب نصاً “على طريقة المتنبي”، تقدم له الآلة محاكاة سطحية لأسلوب المتنبي مبنية على أكثر الأبيات تداولاً. فيختزل التراث الضخم إلى 3-4 سمات أسلوبية. والقليل من الجمل المقصوفة الرقبة وهكذا تصبح الآلة حاكمة على الذاكرة الثقافية، تعيد تشكيلها وفق منطق الاختصار؛ مع تكرار الاعتماد على الاقتراحات الجاهزة يبدأ العقل الإبداعي في التكاسل عن “المعاناة التأسيسية” التي كان يراها الأديب أدونيس شرطاً للقصيدة الحديثة. فلحظة الحيرة الطويلة أمام الورقة البيضاء هي رحم النص، والإمساك بالقلم وبداية إزاحة الشوشرة لاستخراج جواهر الفكر به فتأتي الآلة و تلغي هذه اللحظة وتحطمها فلا يحكم علي النص ملك لمؤلفه إذ أن اكثر من نصفه مولداً بالذكاء الاصطناعي، فلا ينسب اليه وإنما هو طفل الأنابيب فمن هو المؤلف؟ ومن هو أبيه إذ أخذت عينته من مخابر التلقيح الاصطناعي . وهل يظل النص تعبيراً عن “تجربة ذات” أم يصبح منتجاً هجيناً؟ وهذا يعيدنا إلى سؤال الملكية الفكرية والحقوق الأدبية. لأن أغلب النماذج مدربة على بيانات غربية، فإنها تدفع الأدب العالمي نحو “أسلوب عالمي موحد”، جامد (ديناميكيا ) مما يهدد الخصوصيات الثقافية واللغوية المعروفة بالانسيابية والترعر والنمو واختراق آفاق القارئ واختلاق حالة شعورية موحدة وثقافة موحدة تأتينا من الغرب أساسها من الشرق وبعد إعادة التدوير نقوم بحفظها والعمل علي إرساءها .
وحين تم توجيه سؤالا للذكاء الاصطناعي عن إمكانية أن يسطرَ كتابة الفنون الإبداعية والخوض في غمار تأليفها ؛فكانت إجابته بالطبع لا لا استطيع القيام بإيجاد عاطفة واختلاق شعور وأن يحل محل الكتابة الإبداعية. بينما يمكنني إنشاء نص بناء على الأنماط التي تغذيت بها ،إذن هو يفتقر إلى القدرة على فهم المشاعر والتجارب ووجهات النظر البشرية والتعبير عنها حقاً، والتي تعتبر ضرورية لكتابة الفنون الأدبية الإبداعية. تتطلب الكتابة الإبداعية خيالاً وإبداعاً وموهبة تروي وتجدد وخبرات شخصية لا يمكن أن تأتي إلا من كاتب بشري. يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة، لكنه لا يمكنه أن يغذي موهبة أو أن يستجلب شعورا ،أو يحل محل اللمسة التي تخلق الحالة التي يعيشها الكاتب والقارئ من حماس و تحفيز وفرح وشجن يصل إلي حد استدعاء الدموع فالمبدع لو لامسه الذكاء الاصطناعي ازداد بريقة وملاء شعاعه الاكوان، والفاقد للموهبة فأن الذكاء الاصطناعي يُمثل له “مِبراة” تكشف عواره فهو مقصلة لمدعي الكتابة دون موهبة، ولكنه ( أزميل ذهبي ماهر ) في يد الأديب والفنان الحقيقي لتطوير إبداعاته وثقل موهبته إذ لا يمكن انكار الوجه الآخر له ( للذكاء الاصطناعي) وجهاً تحررياً. فقد مكن كتاباً من ذوي الإعاقة، وساعد المترجمين على اختراق الحواجز اللغوية، وأعطى الباحثين أدوات “النقد الحاسوبي” Computational Criticism لتحليل مدونات ضخمة. كما فتح الباب أمام “الأدب التفاعلي” حيث يشارك القارئ في توليد النص لحظياً. ويظل مبدأ السيادة الإنسانية*: القرار الجمالي الأخير يظل للإنسان. الآلة مجرد عامل تخت خدمة البشر يقترح والإنسان يفسر ويفصل . ونأخذ مثالا علي ذلك قصيدة القصيدة كنموذج لـ “كسر الاحتمال الأعلى ” الذكاء الاصطناعي قائم على مبدأ: “ما هو الأكثر احتمالاً وتكراراً في البيانات؟” فلو طلبنا منه كتابة و تحليل قصيدة ” لزينب أحلامها المخملية ” للشاعر عزت الطبري سيعطينا: يا زينب يا قمر / يا زينب يا ورد / في عينيك بحر لكن
قصيدة الشاعر الطبري فعلت العكس تماماً إذ يقول الشاعر :
ولى حلم قلبى اليتيم بأن أحتوى قلبها الغض
ادخل بين دهاليزه وأقول له
من الشعر مالم يقله المنخل
حين أتى فوق ناقته المستكينةفى صهد تلك الصحارى
ومالم يقله بن شداد
وهو يجوب الفيافى
حعود فتيا أبيايواصل ماقد بدأ
لزينب سبعون معجزة ظاهرات
اذا غيرت سير هذا النسيم
ليأتى يباغت استار شرفتها
فتأتى العصافير تلقط من كفها المريمية ذاك الحليب
..وقمحا وحَبا نضيدا وترجع شبعى
ترددزينا ونونا وباءََ
وتذكر أسماءها الألف
بين البكور وبين ا لضحى
فانتحى جانباوواصل يذكر انسابها
ويعدد أرتال من يقفون على بابها
ومن ينظرون وينتظرون
من سرب أترابها هنا “القلب اليتيم” و “قلبها الغض” و “أحلامها المخملية” – تراكيب نادرة، غير مألوفة، لا تظهر في أكثر البيانات تداولاً فالحب في مواجهة اليتم والتيه والمشاعر في مواجهة أحلامها المخملية هذا هو جوهر الموهبة البشرية: القدرة على اختيار “الاحتمال النادر ” الذي لا يمكن للخوارزمية التنبؤ به. “حاكمية المرجعية”: استدعاء الهامش بدل المركزفالذكاء الاصطناعي يتجنب الهامش لأنه “إحصائياً ضعيف”. أما الموهبة الإنسانية مارست “حاكمية المؤلف” فاختار من التراث وما يخدم وجعه الخاص المستشهدة بالمنجل اليشكري الشاعر ، لا ما يخدم “الذوق العام”. “حاكمية الصورة”: من الرمز العام إلى الطقس المقدس
“الآلةالاصطناعية ” ستعطينا صورة: “زينب كالقمر، كالوردة”.
وحاكمية الشاعر أعطيتنا طقس كامل لزينب محبوبته
سبعون معجزة ظاهرات
إذا غيرت سير هذا النسيم
ليأتي يباغت استار شرفتها
فتأتي العصافير تلقط من كفها المريمية ذاك الحليب
وقمحاً وحباً نضيداً وترجع شبعى
هنا “زينب” لم تعد حبيبة. بل هي ظاهر طبيعية
زينب عروس يغازل استار شرفتها النسيم
هي أم يرتشف من حنوها الحليب ،وقديسة”المعجزة”
الطبيعة كلها محض ارادتها فالنسيم، العصافير” لا تشتهي الحبوب إلا من ضوء أناملها وبريق كفّها فتتحول الحبيبة إلى أرض وقديسة وأم في آن واحد. “فالصورة المتعددة الطبقات” مستحيل على النموذج الاصطناعي توليدها، لأنه لا يملك “ذاكرة جسد” ولا “ذاكرة مزارع حصد “. هذه صورة خرجت من بيئة، لمست ايديها نياط الأرض واعتنقت خصوبة الخضرة ، لا من قاعدة بيانات صماء أما “حاكمية اللغة البشرية “قادرة التكسير؛تكسير اللفظة وتسهيلها وتضخيمها كفعل حب أقوى دليل على البشرية كما في النص: يقول الشاعر
تردد زينا ونونا وباءً
وتذكر أسماءها الألف
بين البكور وبين الضحى
الآلة تكتب “زينب” كلمة واحدة. والشاعرجزءها لحروف “ز-ي-ن-ب” وانطق بها العصافير وكأطفال تتعلم و تتملى اسم من تحب. الذكاء الاصطناعي يبحث عن “السلاسة”، والموهبة البشرية تبحث عن “الصدق” “الحب ” “العاطفة “حتى لو كان مصطنعا استدعاه الكاتب . اللغة في قاموس الشاعر المهندس عزت الطبري لم تعد أداة توصيل، بل “فعل عبادة مخلصة “. فهو ثري باللغة له قاموسه الخاص وأبجديته القاصرة عليه لا يجرؤ أحد علي اقتناصها أو تمثيلها أي طيري هذا الذي يرجع بالعمر علي هيئة عصفور ليكسر اسم المحبوبة ويتمتم بلقبها ،لذلك تفشل الحاكمية الخوارزمية أمام هذا النص؟ فالآلة الاصطناعية مارست “حاكمية التعميم” فحولت زينب إلى رمز. بينما مارس الشاعر “حاكمية التفصيلة” الآلة لا تعرف أن أكبر وجع عند الجنوبي ليس فراق الحبيبة، وإنما “الدار اللي بردت بعدها، والعصافير التي اختنقت في أعشاشها “. والأشجار التي ألت إلي العطش حزنا علي الفراق ،الآلة تستطيع أن تكتب “توقف الزمن فحزنت”. لكنها لا تستطيع أن تكتب من داخل “قلب الساعة الباكي” إن التاريخ يعلمنا أن الأدب كان دائماً فعل مقاومة ضد كل أشكال الحاكميية ،وخاصة الأيديولوجية. واليوم هو مطالب بمقاومة “الحاكمية الخوارزمية”. والمقاومة هنا لا تعني الرفض، وإنما تعني التحويل أن نستخدم الآلة لنكتب ضد منطقها، أن نأخذ من صوغها الهيكل ثم نحرره، أن نجعل النص مفاجأة لا يمكن التنبؤ بها إحصائياً.فمستقبل الأدب لن يحدده من يجيد الكتابة أسرع، وإنما من يملك الشجاعة ليكتب “ابطأ ” من أن ينساه القارئون “الأصعب” في أن تواجهه مكبات الذكاء الاصطناعي و “الأكثر خصوصية” من أن يتقلد العمل أكثر من مؤلف فليولد الذكاء الاصطناعي ألف “زينب” ولكنه لن يستطيع استحضار العصافير من المخمل ولا مخاطبة الطقس ، وسيظل بيت واحد عن “كف فيه قمح” كافياً لنسف كل حاكميته.وفي النهاية، ما يميز الإنسان قدرته على إنتاج اللغة، و قدرته على الخيال ، والحلم، والتناقض، والجرح.. وهذه أشياء لم تدخل بعد في قاعدة البيانات.
